موقع المرام الثقافي elmaram.blogspot.com

موقــــــع المرام الثقــــــــــافي elmaram.blogspot.com

السبت، 23 يونيو 2012

GOUVERNEMENT 1957



GOUVERNEMENT 1957

موريتانيا : انطلاق مسابقة وطنية لاكتتاب 300 إمام مسجد

موريتانيا : انطلاق مسابقة وطنية لاكتتاب 300 إمام مسجد

وزارة الشؤون الإسلامية تشرف على اختيار الأئمة الجدد
بدأت اليوم السبت في مختلف ولايات موريتانيا الثلاثة عشر مسابقة وطنية موحدة تنظمها وزارة الشؤون الإسلامية لأجل اكتتاب 300 إمام جديد، سيتولون إمامة مساجد تتوزع على مختلف المناطق، برواتب وميزات تقدما الوزارة الوصية.
وفي نواكشوط احتضنت مباني المعهد العالي للدراسات والبحوث توافد عشرات الأئمة المترشحين وغالبيتهم من الشباب لإجراء المسابقة، التي تتضمن الإجابة على أسئلة مكتوبة وموحدة بين مختلف مراكز الامتحان.
وتحظى نواكشوط بالحصة الأكبر من عدد الأئمة،  وزار وفد من وزارة الشؤون الاسلامية اليوم مقر إجراء المسابقة ، وضم الوفد كلا من محمد محمود ولد سيد ابات الأمين العام للوزارة، و المستشار الاعلامي بالوزارة، ومدير الشؤون الإسلامية، ومدير المساجد للاطلاع على سير المسابقة والظروف التي تجري فيها.
ونقلت الوكالة الموريتانية للأنباء عن سيدي محمد ولد البشير مدير المساجد قوله إن المسابقة تجري اليوم في عموم البلاد بأسئلة مكتوبة وموحدة بين الجميع، وأن الوزارة اتخذت إجراءات "لتحري الدقة والشفافية في المسابقة"
كما بدأت المسابقة اليوم في ولاية اترارزة حيث سيتم اختيار 32 إماما من أصل 226 مترشحا، كما بدأت في  الحوض الغربي التي سيتم اختيار 28 إماما من أصل 150 مترشحا تقدموا للمسابقة.
واليوم السبت بدأت أيضا المسابقة على مستوى ولاية إينشيري وسيتم اختيار شخصين من أصل 13 متسابقا. وفي ولاية تيرس زمور بدأت المسابقة اليوم السبت ، وسيتم انتقاء 3 أشخاص من بين 14 مترشحا على مستوى الولاية.
وبهذه المناسبة تتطلع مدونة شبكة المرام للإعلام للنجاح الباهر والمتألق للشيخ والإمام الفقيه ، الفاضل السيد : ناصر الدين ولد علي ولد الكوري وتتمني له التوفيق ولسائر المتسابقين الناجحين في هذه المسابقة


REUNION PREPARATOIRE 1957

الثلاثاء، 12 يونيو 2012

تدشين تعاونية في الشارات

تدشين تعاونية في الشارات

111111111111111111111111.jpg - 28.17 Kb

اشرف عمدة المذرذرة السيد احمدو ولد علي رفقة بعض المستشارين البلديين، وشخصيات من المجتمع المدني على تدشين مشروع "بالغربان" في قرية الشارات التابعة لبلدية المذرذرة.

وقد استقبل العمدة والوفد المرافق له استقبالا شعبيا من طرف السكان.

 

1111111111111111111111111111111111111111.jpg - 44.08 Kb

رئيسة التعاونية .. أثناء القاء كلمتها

 

ورحبت رئيسة التعاونية بالعمدة والوفد المرافق له، مؤكدة دعمهم ومساندتهم لعمدة البلدية، مطالبة بتقديم بعض اللآلات الزراعية، وفتح دكان من دكاكين "أمل".

 

1111111111111111111111111.jpg - 35.74 Kb

جانب من الحضور

 

بدوره تناول الكلام عمدة بلدية المذرذرة السيد أحمدو ولد علي، الذي شكرهم باسمه وباسم المجتمع المدني والهيئات المحلية على الاستقبال الحار الذي خصوه به والوفد المرافق له، معبرا عن اعتذاره لسكان قرية الشارات عن عدم تدخل البلدية من قبل في الشارات.

 

وأكد عمدة المذرذرة أن المشروع تم تسييجه بتمويل من بلدية المذرذرة، مضيفا أن البلدية ستسهر على تحقيق كل مطالب القرية.

 

ودعا ولد علي الجميع إلى العمل على جذب الممولين، مطمئنا الحضور على نية البلدية ايجاد مشاريع أخرى قريبا.

 

وأعرب المستشار البلدي السيد المختار السالم، عن شكره لسكان القرية على حفاوة الاستقبال، داعيا الجميع إلى العمل والاستعداد للإنتاج، مضيفا أنه على القائمين على المشروع أن يبرهنوا أنهم أهلا لهذا المشروع، والعمل من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي.

 

بدوره تناول الكلام الكاتب الصحفي والمستشار البلدي السيد احمدو ولد ابن، الذي استهل كلامه بشكر اهل الشارات على الاستقبال الحار والمتميز، مضيفا أن سكان الشارات أهل قناعات ويستحقون الكثير، داعيا البلدية إلى اعطاء عناية أكثر لقرية الشارات.

 

11111111111111.jpg - 44.44 Kb

 

السيد سيدي ولد محمد فال تحدث باسم المجتمع المدني، داعيا القائمين على المشروع إلى العمل بجد من أجل تحقيق المطلب المنشود.

 

بعد ذلك تناول الكلام الطبيب أحمد ولد حامدن الذي أكد دعمه، ودعم أهل الشارات للسيد العمدة، واستطرد قائلا "لانقبل بغير العمدة السيد أحمدو ولد علي".

 

وبعد تبادل الخطب قام السيد العمدة رفقة الوفد المرافق له بجولة داخل التعاونية اطلع خلالها على ما انجز.

 

وقام الوفد الزائر بزيارة للمركز الصحي في الشارات الذي يتم تشييده بتمويل شخصي، ويحتاج إلى الدعم المادي واللوجيستي.

 

وقدمت البلدية كمية من المقاعد لهذا المركز الصحي، وتعهد عمدة البلدية بتقديم الدعم للمركز الصحي قريبا.

السبت، 12 مايو 2012

الفتاة: تختتم أنشطتها الثقافية في الرياض

الفتاة: تختتم أنشطتها الثقافية في الرياض

رئيسة ممثلية الفتاة بالرياض تانيت بنت سيدي محمود خلال كلمتها في الأمسية الختامية

رئيسة ممثلية الفتاة بالرياض تانيت بنت سيدي محمود خلال كلمتها في الأمسية الختامية

اختتمت ممثلية جمعية الفتاة للتوعية ومكافحة التسرب المدرسي بالرياض مساء أمس السبت (05/05/2012) أنشطتها الثقافية في المقاطعة بتنظيم أمسية ثقافية كبرى بمباني مدرسة الإمام مالك في الرياض.


الأمسية الختامية بدأت بكلمة لرئيسة ممثلية الفتاة بالرياض تانيت بنت سيدي محمود شكرت خلالها الجهات المساهمة في إنجاح أنشطة الممثلية مؤسسات وأفرادا، وخصت بالذكر حاكم المقاطعة وعمدتها ومدير مدرسة الإمام مالك، على مستوى التعاون والتفاعل الكبير مع أنشطة الحمعية.


زهرات الجمعية في إحدى الوصلات الإنشادية خلال الأمسية

زهرات الجمعية في إحدى الوصلات الإنشادية خلال الأمسية

وقالت بنت سيدي محمود إن اختتام أنشطة الممثلية يأتي بعد سلسلة من الأنشطة المتنوعة التي نظمتها ممثليتها في مقاطعة الرياض ، من بينها الأماسي الثقافية والأنشطة الميدانية والحوارات الأسبوعية، مؤكدة أن ذلك كله إنما يأتي في إطار حرص جمعيتها على الأخذ بيد الفتاة وإكسابها الخبرة والمهارة، وتخريجها للمجتمع بشكل يسمح لها بالمساهمة في بنائه بشكل فعال.


وأشادت بنت سيدي محمود في ختام كلمتها بالدور الكبير الذي لعبته فتيات مقاطعتها في الممثلية وحجم الوعي، ومستوى الخبرة الذي يمتلكنه، والذي كان للمثلية الفضل في إخراجه وتعهده، متعهدة على جمعيتها بإتمام مسيرة البذل والتوعية تلك في الأعوام المقبلة.


جانب من حضور الأمسية الختامية لممثلية الفتاة بالرياض

جانب من حضور الأمسية الختامية لممثلية الفتاة بالرياض

وقد تخللت الأمسية إلقاءات شعرية مختلفة ، ووصلات إنشادية متنوعة لزهرات الجمعية وفرقة صدى شنقيط الفنية ، وسط حضور مكثف لجمهور الجمعية.

الجمعة، 20 أبريل 2012

افتتاح المسابقة التحضيرية للمسابقات الدولية للقرآن الكريم

ثقافة
افتتاح المسابقة التحضيرية للمسابقات الدولية للقرآن الكريم نواكشوط ،  19/04/2012  -  افتتحت اليوم الخميس بالجامع الكبير في نواكشوط المسابقة التحضيرية للمسابقات الدولية للقرآن الكريم التي تنظم كل سنة في المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، السودان، الكويت، السعودية، الامارات العربية المتحدة، العراق، الاردن، إيران وماليزيا.
ويشارك في المسابقة 116 متسابقا من بينهم خمس نساء وتستمر مدة أسبوعين.
وسيحدد من خلال هذه المسابقة من يمثل بلادنا في المسابقات الدولية للقرآن الكريم.
وأوضح السيد سيدي محمد ولد الشواف، مدير التوجيه الاسلامي لدى افتتاح المسابقة أن تمثيل موريتانيا في المسابقات الدولية، يجب أن يكون صاحبه ممن يتحلى بالمسؤولية والانضباط والرزانة وحسن السلوك.
وأضاف أنه تم لهذا الغرض وضعت اللجنة نقاطا خاصة بالتقويم الشخصي للطلبة.
وأوصى الشيوخ المشرفين على المسابقة بالعدل بين المتسابقين والشفافية في المعايير والتقويم متمنيا للطلاب التوفيق والنجاح.
وفي تصريح للوكالة الموريتانية للانباء، أشار السيد محمد الامين ولد اسماعيل، رئيس اللجنة المشرفة على المسابقة أنها تشمل حفظ القرآن وضبطه وتجويده وتفسيره
.

الأربعاء، 15 فبراير 2012

الخصوصية الثقافية العربية بين متطلبات الحداثة وتحديات العولمة

الخصوصية الثقافية العربية
بين متطلبات الحداثة وتحديات العولمة
نواكسوط ،  11/12/2011  -  إن التحديات التي تواجهها الخصوصية الثقافية العربية نتيجة لاستفحال ظاهرة العولمة في بعديها الاقتصادي والثقافي وما قد ينجر عن ذلك من مخاطر قمينة بأن تهدد المقومات الأساسية للهوية العربية، مثلت إشكالية مثيرة للاهتمام قد استرعت انتباه العديد من المثقفين العرب، فعالجوها كل من منطلقه الخاص ومنظوره الشخصي.
وها أنا أدلي بدلوي في هذا المضمار تحدوني في ذلك الرغبة في تقديم تقييمي الشخصي لهذه الإشكالية بكل أبعادها. ولقد عمدت في مقاربتي لتلكم الإشكالية إلى تحديد خمسة محاور جعلت منها الأسس التي أقمت عليها بنية الموضوع. وهذه المحاور هي:



لكل أمة ذات حضارة متميزة خصوصية ثقافية متفردة. والخصوصية الثقافية بوجه عام تتمثل في اللغة وكل أشكال التعبير الفني والمعايير الجمالية والمتمثلات السيكولوجية والمعتقدات الروحية والطقوس الدينية والمنظومات القيمية والمسلكيات الاجتماعية وأنماط العيش الخاصة من مسكن وملبس ومأكل. فهي باختصار حصيلة وزبدة كل العناصر التي تميز أمة بعينها عن غيرها من الأمم وتعطيها سمة متميزة وملامح مغايرة تشكل غيرية وذاتية هما قوام الهوية الثقافية والحضارية لتلك الأمة.
إن للعرب كغيرهم من الأمم خصوصية ثقافية متميزة. وترتكز هذه الخصوصية على مقومات أساسية هي :

أ. اللغة العربية بوصفها المادة التي قض منها المنتوج الفكري العربي والوعاء والبوتقة التي افرغ فيها هذا المنتوج فشكلته وقولبته وفقا لعبقريتها الخاصة.
ب. الدين الإسلامي بوصفه المرجعية التي تستند إليها التشريعات المنظمة للحياة الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية للمجتمعات العربية والتي تنطلق منها منظومتها القيمية وسلمها المعياري.
 
ج. الموروث المعرفي الذي تكون عبر العصور نتيجة لتطور العلوم الدينية واللغوية وتشعب المعارف انطلاقا من استقراء واستيعاب وتعميق الموروث الفكري اليوناني والهندي والسرياني والعبري والفارسي... من طرف العلماء والباحثين العرب.
وهذا الموروث العربي الذي هو نتيجة لتراكمات تكونت عبر العصور كان له ارتباط جدلي وثيق بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفها الفضاء العربي عبر الأحقاب.
فقد عرف هذا الفضاء طفرة باهرة دامت من القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر ميلادي في كل من المشرق والأندلس بحيث ازدهرت الآداب والفلسفة والعلوم والرياضيات والطب والمعمار والفنون والموسيقى والرقص وكل مظاهر المدنية والتحضر.
ولقد شكل الرصيد المعرفي والحضاري الناجم عن تلك الطفرة الأرضية التي انطلقت منها النهضة الأوربية خلال القرن الخامس عشر عبر ترجمة كل ألوان التراث العربي إلى اللغة اللاتينية من طرف الطلبة والدارسين الذين كانوا يترددون على الجامعات الأندلسية وخاصة جامعتي قرطبة وطليطلة.
وبعد ذلك عرف التراث الثقافي العربي انكماشا تدريجيا وركودا مضطردا اعتبارا من القرن الثاني عشر ميلادي، نتيجة لتضافر عوامل شتى، منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
ولعل من أهم هذه العوامل، الهجمات الصليبية المتتالية، واجتياح المغول لبلاد العرب وتقويض الخلافة العباسية في الشرق وبسط السيطرة التركية على العالم العربي ثم سقوط الأندلس ومجيء الاستعمار الأوربي.
كل هذه العوامل أسهمت بشكل مباشر وغير مباشر في تحديد ملامح الخصوصية الثقافية العربية والتأثير في طبيعة العناصر المكونة لها.
كما قد أثرت النهضة الثقافية التي عرفها بدرجات متفاوتة الفضاء العربي على أثر حملة نابليون في بداية القرن التاسع عشر وتبعا لقيام الدول الوطنية عقب انزياح الاستعمار الأوربي خلال القرن المنصرم، اثر كل ذلك في جوهر الخصوصية الثقافية العربية ومضامينها ومرتكزاتها الاديولوجية والمرجعيات المؤطرة لها. ونتيجة لكل هذه المعطيات والعوامل أصبحت الخصوصية الثقافية العربية تتضمن من حيث تركيبتها ومكوناتها جانبا ايجابيا وآخر سلبيا.
أ. الجانب الايجابي للخصوصية الثقافية العربية :
يكمن الجانب الايجابي للخصوصية الثقافية العربية في القيم الدينية المتمثلة أساسا في المساواة والإخاء والصدق والاستقامة والأمانة والبر والرحمة...
كما يكمن في المنظومة الأخلاقية المستمدة من تعاليم الإسلام مثل التكافل والتضامن والإحسان وحسن الخلق وبر الوالدين وصلة الرحم... وفي التقاليد والمسلكيات الاجتماعية والمعاملات البينية التي تولي أهمية كبرى لتماسك النسيج الاجتماعي وصيانة الروابط الأسرية. وإضافة إلى هذا وذاك فإن الخصوصية الثقافية العربية تحيل إلى القيم الفنية والمعايير الجمالية، وأساليب العيش وأنماط السكن والملبس والمأكل النابعة من صميم الحضارة العربية الإسلامية والعاكسة لمنظومتها القيمية ومرجعيتها الدينية والمجسدة لمثلها السامية مثل الاتزان والاعتدال والوسطية.
ب. الجانب السلبي للخصوصية الثقافية العربية :
للخصوصية الثقافية العربية جوانب سلبية لا بد من ذكرها وتتمثل في الدغمائية والذكورية (Le machisme) والسلطوية (L'autoritarisme) وقد تجلت هذه العناصر المكونة للذهنية العربية على الصعيد الاجتماعي والسياسي والفكري.
فعلى الصعيد الاجتماعي تظهر بوضوح في نفوذ الأب الساحق على كل أفراد أسرته على نحو لا مجال معه للنقاش والحوار والتفا كر. كما تظهر في سيطرة الرجل المطلقة على المرأة - في جل المجتمعات العربية – وإصراره على تغييبها وحصر وظيفتها الاجتماعية وغاية وجودها في توفير المتعة الجنسية وإنجاب الأطفال والسهر على تدبير شؤون البيت. وقد ترتب عن هذا الموقف تهميش المرأة وانزواؤها ومنعها من المشاركة في الشأن العام مما أدى إلى تعطيل طاقاتها ومنع مساهمتها في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية ضمن حيز هام من الفضاء العربي.
وعلى الصعيد السياسي أدت الذهنية العربية التي اشرنا إلى مكوناتها، إلى قيام أنظمة سلطوية قمعية تفرض على شعوبها سياسات شمولية تقوم على الجبروت والتعسف والاستبداد وتمارس مصادرة الحريات الأساسية وانتهاك حقوق الإنسان وترفض التعددية السياسية وتسد الباب في وجه التداول السلمي للسلطة.
وعلى الصعيد الفكري أدت إلى تضييق الخناق على حرية الرأي والفكر والمعتقد وإلى فرض الرقابة على حرية الصحافة والنشر إضافة إلى الإصرار على فرض أحادية فكرية قاتلة. وذلك عن طريق الأغراء والترغيب طورا والتهديد والترهيب طورا آخر.
فترتب عن ذلك تراجع كبير في الإنتاج الثقافي وانحسار ملموس في الإبداع الفني وتقلص ملحوظ في البحث العلمي. فساد الساحة الثقافية جمود بين دفع العديد من رجال الثقافة والفن إلى الهجرة إلى أوروبا وأميركا بحثا عن مناخ علمي ملائم وجو سياسي موات للخلق والإبداع دون مضايقات أو ضغوط.
تلكم بإيجاز هي الملامح الأساسية المميزة للخصوصية الثقافية العربية وتلكم هي مقوماتها كما تشكلت عبر مختلف مراحل التاريخ العربي. فما هي القيمة الحقيقية للخصوصية الثقافية العربية وما مدى صلاحيتها واستجابتها لمتطلبات العصرنة والحداثة والتحولات الجذرية التي تعرفها المجتمعات البشرية في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية الغير مسبوقة التي تولدت عن ظاهرة العولمة؟
إن تقييم الخصوصية الثقافية العربية لكي يكون مفيدا وباعثا على التأمل والتفكير فإنه يجب أن يتم على ضوء السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي سينجر عن العولمة وفي منظور الأنماط الثقافية والفكرية التي ستقود هذه العولمة إلى انتشارها وسيطرتها عبر العالم.
وهنا قد بجدر التوقف لحظة لاستكناه طبيعة العولمة واستبيان أبعادها وتداعياتها.

أ. البعد الاقتصادي والسياسي للعولمة :
إذا أردنا أن نقدم تعريفا مبسطا للعولمة في بعدها الاقتصادي فإنه بإمكاننا القول بأنها تعني إزالة كل الحواجز والعوائق المادية والتشريعية والتنظيمية التي من شأنها أن تعيق التدفق الحر للبضائع والرساميل بين بلدان العالم. وبعبارة أخرى فإنها تعني فتح الحدود بشكل مطلق على مستوى كل البلدان أمام تنقل الأشخاص والبضائع واستثمار الأموال وصولا إلى إقامة مؤسسات صناعية وخدماتية ومالية ترمي إلى تحقيق أكبر ربح ممكن في اقصر الآجال بصرف النظر عما قد يتسبب فيه ذلك من سحق للمؤسسات المحلية الناشئة الضعيفة الإنتاجية والتنافسية وعما قد يلحقه من أضرار بالغة بقطاعات اجتماعية واسعة.
فالعولمة إذا هي فتح الحدود أمام الشركات العالمية العابرة للقارات وإلغاء سلطة الحكومات وتقليص السيادة الوطنية للبلدان وتحويل حكوماتها إلى حراس يسهرون على الدفاع عن مصالح الشركات العالمية العملاقة والمؤسسات المالية الأخطبوطية ويوفرون لها الأمن والاستقرار الضروريين لديمومة الظروف الملائمة لتحقيق أرباح متنامية
بهدف تنمية مضطردة لثروات هذه المؤسسات وزيادة قدراتها على تعاطي المضاربات بمبالغ خيالة في أسواق النقد عبر البلدان المصنعة، وذلك دون إعارة أي اهتمام لما يسود لعالم من مجاعات وأمراض وجهل وتخلف لم يعد من صالح الإنسانية تجاهلها و التغاضي عنها ؛ لما قد تقود إليه من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار عبر العالم.
ب. البعد الثقافي للعولمة :
إذا كانت العولمة الاقتصادية تستهدف فتح الحدود على مصراعيها أمام السلع والمستثمرين والرساميل وتقزيم الحكومات وتحجيم السيادة الوطنية وتحويل العالم إلى سوق مترامي الأطراف، فإن البعد الثقافي لهذه الظاهرة يتمثل في فتح الحدود الجوية بل وخلق سماء مفتوحة لإفساح المجال أمام تدفق المعلومات بواسطة الأقمار الاصطناعية التي يكتظ بها الفضاء الخارجي، وعبر القنوات الفضائية ومن خلال شبكات الانترنت والطرق السريعة للمعلومات وغير ذلك من الوسائل الأخرى.
كل هذه النواقل قد تمت تعبئتها لبث وإشعاع كم هائل من المعطيات والمعلومات والبرامج والمنتجات الثقافية علمية كانت أم أدبية أم فنية، وإضافة إلى مختلف أنواع المعلومات وشتى أصناف المعارف التي تبث عبر الاقنية الالكترونية الفضائية وغيرها، فثمة وسائط ثقافية أخرى تغزو الأسواق العالمية على نحو غير مسبوق وتتمثل في الكتب والمجلات والصحف وكتب الأطفال والأشرطة والأقراص المضغوطة وبرمجيات الحواسب
والألعاب الالكترونية على اختلاف أنواعها وأشكالها. ويتم إنتاج هذا الكم الهائل والمتنوع من الوسائط الثقافية بفضل التطور المذهل الذي عرفته التكنولوجيا الثقافية والترفيهية والذي هو في ازدياد مضطرد.
كل هذا الإنتاج الثقافي بشتى مكنوناته والذي سخرت أنواع متباينة من الوسائل الالكترونية لبثه عبر أنحاء المعمور، هو في الأساس إنتاج غربي أمريكي وأوربي ومن ثم فإنه يعكس القيم الاجتماعية والمثل الأخلاقية والمعايير الجمالية للأمم الغربية ذات المرجعية اليهودية-المسيحية والخلفية الثقافية اليونانية-الرومانية.
ومن ثم فهو ينوه بالمنظومات القيمية والممارسات والمسلكيات الاجتماعية والأنماط المؤسسية والأساليب السائدة في المجتمعات الغربية. ويقدمها على أنها النماذج المثلى للتقدم والرقي والتحضر المتاحة للمجموعة البشرية.
هذان بإيجاز شديد هما البعدان الاقتصادي والثقافي للعولمة وقد نتساءل هنا هل العولمة في بعديها هذين سلبية على طول الخط؟ أم أن لها جانبا سلبيا وآخر إيجابيا؟
اعتقد شخصيا أن الأمر هو بالفعل كذلك. وفي ما يلي نتفحص هذه المقولة.
ج. الجانب السلبي للعولمة :
إن الجانب السلبي للبعد الاقتصادي للعولمة يتمثل أساسا في فقدان السيادة الوطنية لفائدة الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة. كما يتمثل في تحرر هذه الشركات وتحللها المطلق من قيود القوانين والتشريعات المنظمة لمختلف العلائق على الصعد المحلية والدولية. ويتمثل أيضا في سيطرة اللبرالية المتوحشة التي هي عبارة عن "داروينية" اقتصادية واجتماعية لا ترحم ولا مكان فيها لمن هو ضعيف وغير ذي تنافسية شديدة.
أما الجانب السلبي في البعد الثقافي للعولمة فإنه يكمن في السعي الحثيث إلى فرض اللغات الغربية وخاصة اللغة الانجليزية على العالم والعمل على تقديم القيم الاجتماعية والأخلاقية والمعايير الجمالية وأساليب العيش الأورو-آمركية على أنها النموذج الأمثل والقدوة المثالية التي يجب الاستناس بها بل وإحلالها محل سواها من المنظومات القيمية الأخرى. وهذا المسعى يهدف في التحليل النهائي إلى صب كافة الذهنيات وسائر الثقافات في قوالب واحدة وموحدة،و ينم عن تمحور مفرط حول الذات وصلف وأنانية ليس لهما ما يبررهما كما أنه يشكل خطرا جسيما على التنوع الثقافي والتعددية الحضارية والحق في المغايرة والاختلاف.
د. الجانب الايجابي للعولمة :
الجانب الايجابي للعولمة في بعدها الاقتصادي يكمن في تكثيف التواصل بين كافة المجتمعات البشرية وربطها وتماهيها مع بعضها.
ويكمن كذلك في إمكانية اقتسام فوائد ونتائج الاختراعات والاكتشافات والتجارب في مختلف المجالات، وفي الشعور المتنامي لدى الجميع بضرورة بلوغ الامتياز وتحقيق شروط التنافسية وما تقتضيه من جودة أداء ووظيفية ومهنية، وما قد يقود إليه كل ذلك من تحسن مستمر في الأداء وارتفاع مضطرد للمستوى على مختلف الصعد، استجابة لمتطلبات التنافسية ونزولا عند شروط الإنتاجية.
ويتمثل الجانب الايجابي للبعد الثقافي للعولمة في إشاعة وتعميم الحريات الفردية كحرية التعبير وحرية الفكر وحرية المعتقد. والحريات العامة كحرية التنظيم وحرية الصحافة والنشر وكافة الحريات النقابية والسياسية وغيرها. فهذه الحريات هي المرتكزات التي تقوم عليها التعددية الفكرية والسياسية وهي قوام الديمقراطية وما تتيحه من حرية للصحافة وفصل للسلط واستقلالية للعدالة وشفافية في تسيير الموارد العامة، وتداول سلمي للسلطة ضمن مجتمعات آمنة ومستقرة.
ورغم ما تقدم ذكره فإنه لا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتساءل هل تمثل العولمة خاصة في بعدها الثقافي خطرا على الهوية العربية ؟

إن الثقافة الغربية التي ساعد قيام سياق العولمة على انتشارها في كل أنحاء المعمور، تكرس الفر دانية (L'individualisme) وما تفضي إليه من أنانية وتمحور حول الذات. وتقدس الحرية الفردية إلى حد الغلو وتصون حرية الرأي والفكر والمعتقد إلى درجة الشطط. وعليه فنتيجة لروح الفر دانية السائدة في المجتمعات الغربية، فإنه لم يعد هناك وجود لقيم الكرم والمروءة والإيثار على النفس. ونتيجة للمغالاة في تقديس الحريات الفردية فقد صارت كل العلائق الاجتماعية هشة ومتداعية ؛ مما أدى إلى انتشار مذهل لظاهرة الطلاق وتفكك الأسر وتراجع مؤسسة الزواج، وإلى شرعنه وتكريس العلاقات الحرة بين النساء والرجال وإقرار الإنجاب خارج روابط الزواج بحيث تتجاوز في الوقت الراهن نسبة الأطفال المولودين خارج إطار الزواج الشرعي 55% في بعض المجتمعات الغربية.
وترتب عن هذه الوضعية ضعف ملحوظ في تماسك الأسر ونقص كبير في حميمية العلاقات بين الآباء والأبناء. كما انجرت عنها إباحية جنسية لا محدودة، بل وقيام علاقات جنسية معلنة ومستساغة اجتماعيا بين مماثلي الجنس الذين قد تم الاعتراف لهم قانونيا بالزواج فيما بينهم وتبني الأطفال.
والظاهر أن الأمور تتطور تدريجيا نحو إلغاء دور الأب والاستعاضة عنه بالتلقيح الاصطناعي. في حين يلاحظ عزوف متزايد للعديد من النساء عن قبول الحمل وممارسة وظيفة الأمومة وتحمل المسؤوليات المتصلة بها. مما أدى في نهاية المطاف إلى تراجع نسبة الإنجاب في المجتمعات الغربية التي هي الآن مهددة بالشيخوخة وتنامي إعداد المسنين الهرمين على حساب الناشئة الصاعدة.
هذه الممارسات والمسلكيات والقيم التي يعتبرها الغرب النماذج المثلى للرقي والعصرنة والتحضر والتي يحث بشتى الوسائل باقي الأمم على احتذائها والتأسي بها هي في واقع الأمر عوامل تصدع اجتماعي وتردي حضاري. وهي بحكم طبيعتها وتداعياتها لا تمكن ملاءمتها ولا مصالحتها مع المنظومة العربية. ومن ثم يجب فعل كل ما بالإمكان للاحتراز منها والوقوف في وجه تسربها إلى القيمية والمسلكيات الاجتماعية والمقومات الروحية التي تكون سدى ولحمة الخصوصية الثقافية والحضارية للمجتمعات العربية صيانة لخصوصيتها الثقافية وهويتها الحضارية في جوانبها الايجابية وثوابتها الروحية والأخلاقية.
لكن هل يمكن أن يستشف من هذا أن الخصوصية الثقافية العربية هي من الكمال والمثالية بحيث لا تحتاج إلى تحيين وتحسين وتحديث لمواءمتها مع متطلبات العصر الذي وصلت إليه المجتمعات المتطورة في مستهل القرن الواحد والعشرين الحالي ؟
الجواب هو بالطبع لا! وإذا كان ذلك كذلك، فما العمل ؟


من أجل النهوض بالخصوصية الثقافية العربية والارتقاء بها نحو مستوى يتماشى وطموحات المجتمعات العربية وتطلعاتها فإنه ينبغي:
أ. على الصعيد السياسي :
القضاء على الاستبداد والشمولية والكف عن مصادرة الحريات الأساسية الفردية منها والجماعية. وبالمقابل يجب اعتماد الديمقراطية الاجتماعية والفكرية والسياسية وإقامة دولة القانون وتهيئ الظروف المواتية للتداول السلمي للسلطة وإشراك هيآت المجتمع المدني في تسيير الشأن العام وإطلاق العنان لحرية الصحافة في حدود المسؤولية، وذلك ليتسنى لها أن تنهض بدورها في تنوير وتحسيس وتثقيف الرأي العام العربي مما يزيد من تأهيله لمتابعة مجريات الأمور والحكم عليها من منطلق سليم وموثق.
ب. على الصعيد المؤسسي :
في هذا المضمار يجب أبدال النظام السلطوي المشخصن السائد في جل البلدان العربية بنظام مؤسساتي محايد. وهكذا ينبغي تقوية وتفعيل المؤسسات الإدارية والتمثيلية والتشريعية والنقابية والجمعوية والتعاونية وغيرها وإفساح المجال أمام كل منها لكي تمارس مهامها على الوجه الأكمل دون قيود أو ضغوط أو محاولة استتباع أو تدجين من طرف أجهزة وآليات السلطة التنفيذية.
ج. على الصعيد الفكري :
في هذا المجال فإنه ينبغي الإسراع بالقضاء على الأمية المستفحلة في معظم البلدان العربية. ويجب السعي الحثيث إلى تعميم وإجبارية التمدرس. كما ينبغي تفعيل المنظومة التعليمة بحيث تقوم بالإعداد الأمثل للموارد البشرية الضرورية لحاجيات سوق العمل ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية العربية مع مراعاة مقتضيات العصرنة والتحديث.
وينبغي تكريس حرية التعبير والفكر والنشر بحيث يفسح المجال أمام المبدعين العرب
في ميادين الآداب والعلوم والفنون، وأن يتاح لهم أن يساهموا بانتاجاتهم في إثراء الساحة الثقافية العربية دون أية قيود ولا ضغوط ولا مضايقات. مما يوفر عليهم عناء الاغتراب ليكون بمقدورهم التعبير عن آرائهم وتقييماتهم ورؤاهم الفلسفية والاديولوجية والسياسية.
الخلاصـة :
وخلاصة القول فإنه في الوقت الذي يجب فيه الحفاظ على المقومات الأساسية للخصوصية الثقافية والحضارية العربية وبذل قصارى الجهد للحيلولة دون تمييعها ومسخها، فإنه ينبغي في المقابل تحديث مكوناتها الأساسية ما عدى الثوابت منها، لجعلها قادرة على استيعاب الإعلاميات والتكنولوجيا المتقدمة وينبغي أن تنفتح أمام العلوم وتساير متطلباتها وأن تأخذ بأسباب الفكر الحديث وأن تستشرف آفاق عهد ما بعد الحداثة لتتأهب للانسجام معه ومماشاته.
وهذا كله لن يتأتي على الوجه المطلوب ما لم يتم تخطي ضيق الأفق والتزمت وإرادة تقييد الأذهان وتكبيل العقول التي مازالت سائدة في بعض البلدان العربية.
ويمكن القول في الختام إن الخصوصية الثقافية العربية ليست معطاة جامدة متحجرة ولكنها نسق معرفي وقيمي ديناميكي يتطور ويتبلور تبعا لتطور المجتمعات العربية التي تتخذه مرجعية لها.
وسوف تتغير مقومات هذا النسق بقدر درجة التغيير الذي تطمح إليه تلك المجتمعات وتسعى جادة إلى بلوغه وصولا إلى مزيد من التقدم والرقي والازدهار وسعيا إلى احتلال موقع الصدارة بين كبريات الأمم.


أ.محمد الأمين ولد الكتاب
 التعريف بمفهوم الخصوصية الثقافية بشكل مجرد.  معالم الخصوصية الثقافية العربية بجانبيها الايجابي والسلبي.  تحديد ماهية العولمة وأبعادها وجوانبها السلبية والايجابية.  أخطار العولمة في بعدها الثقافي على الهوية الثقافية العربية.  السبيل إلى تكييف الخصوصية الثقافية العربية مع متطلبات العصر على الصعد السياسية والمؤسسية والفكرية. 1- تعريف مفهوم الخصوصية الثقافية بشكل مجرد : 2- معالم الخصوصية الثقافية العربية : 3- العولمة وماهيتها : 4- أخطار البعد الثقافي للعولمة على الهوية الثقافية العربية : 5- السبيل إلى تكييف الخصوصية الثقافية العربية مع متطلبات العصر :

الجمعة، 10 فبراير 2012

قال العلامة حمدا ولد التاه

قال العلامة حمدا ولد التاه

إلـــــى وادانَ أرفـعُها تَـحَـأيـَا *** تُجـَدِّدُهَـا العشايَ مــــع الغَدَايـا

مـــــــنابرُ علمِناأصْلاً وفَرْعا *** ومَوْرِدُنَا إذا عطـــــش الرََّوَايـَا

فلا زالــت كما كانت قديمًا *** يُـــــؤَمًّمُهَا الرَّواحـــلُ والـمطــايا

فشُكرًا ثم شُكرًا ثـم شكرا *** إلـــــــــى وادان أرفـعـهـا تـحايــَا

حكايات من وادان

حكايات من وادان

تستعد مدينة وادان لأن تحتضن بعد أسبوع النسخة الثانية من مهرجان المدن القديمة، ولن تكون هذه النسخة ـ بإذن الله ـ مجرد نسخة عادية، خاصة في جانبها الثقافي.

لن تكون النسخة الثانية من مهرجان المدن القديمة نسخة عادية، فوادان مدينة غير عادية، ولها تراث غير عادي، ولها أيضا شباب غير عادي قرر أن يجعل من مهرجان مدينته مهرجانا متميزا، وقد تزود لذلك بأفكار إبداعية لن أتحدث عنها الآن، حتى لا أفقدها شيئا من إثارتها من قبل أن يتم تقديمها خلال أيام المهرجان. ولكني في المقابل سأتحدث عن شيء يسير من حكاية مدينة وادان، والتي بدأت حكايتها بفكرة طموحة ولدت ونمت في رؤوس ثلاثة رجال.

ثلاثة رجال وفكرة طموحة

إن الحديث عن تاريخ وادان يبدأ حتما بالحديث عن ثلاثة رجال من طراز نادر، جمعهم طلب العلم عند القاضي عياض، وجمعهم الحج فعُرفوا بالحجاج الثلاثة، وجمعتهم فكرة طموحة وحلم كبير فقرروا أن يؤسسوا مدينة وادان ليشتهروا بالمؤسسين الثلاثة، وذلك قبل أن يلتحق بهم حاج رابع، سيصبح فيما بعد هو المؤسس الرابع لمدينة وادان.
إنهم ثلاثة رجال لم يجمعهم نسب واحد، ولكن جمعتهم فكرة واحدة، وكانت تلك مجرد ميزة واحدة من ميزات عديدة لمؤسسي مدينة وادان. فلم يكن من المألوف في ذلك الزمن أن يقرر ثلاثة رجال من ثلاثة أنساب مختلفة تأسيس مدينة واحدة جمعت عدة قبائل، في انسجام نادر، قل أن يوجد له نظير على أرض هذه البلاد التي كانت تعرف بالبلاد السائبة.

في العام 536 هجري الموافق 1142م، قرر الحاج يعقوب القرشي، والحاج عثمان الأنصاري، والحاج علي الصنهاجي أن يؤسسوا مدينة وادان، من قبل أن ينضم إليهم في وقت لاحق الحاج عبد الرحمن الصائم، وكانت تلك هي البداية لمشروع طموح، بدأ بفكرة وتحول إلى مدينة مزدهرة وعامرة. ومن اللافت أن منازل المؤسسين الثلاثة، لم يتم تشييدها بجوار المسجد، وقد كان من المفترض أن تكون هي المنازل المجاورة له، ويفسر الوادانيون ذلك بأن المؤسسين الثلاثة أرادوا أن تكتب لهم خطاهم إلى المسجد مع كل صلاة، فابتعدوا بمنازلهم عنه، ولا غرابة في أن يفكر ثلاثة علماء عُبَّاد بتلك الطريقة.

وفي مدينة وادان لكل شيء حكاية تُروى، فلموقع منازل المؤسسين حكاية..وللمسجد حكاية...وللسور حكاية...وللبئر المحصنة حكاية ..وللأضرحة حكاية..ولشارع الأربعين عالما حكاية..ولواد التمر حكاية..ولواد العلم حكاية..وللوادَيْن معا (واد التمر وواد العلم) أكثر من حكاية..

كل شيء في وادان له حكاية تستحق أن تُروى. لكل صخرة حكاية، ولكل شارع حكاية، ولعل الأصعب هو أن نعرف بأي حكاية نبدأ، ومن أين نبدؤها، وكيف ننهيها، لننتقل إلى حكاية أخرى من حكايات مدينة لها ألف حكاية وحكاية. وتبركا دعونا نبدأ حكاياتنا بحكاية من جامع وادان.

حكاية المنارة والدهن

حُقَّ للوادانيين أن يفتخروا بأنهم هم أول من صدح على هذه الأرض بالآذان من منارة مسجد. فمنارة مسجد وادان الذي تم تشييده منذ 870 عاما، ربما تكون هي أقدم منارة في هذه البلاد.

وحُقَّ للوادانيين أن يفتخروا كذلك بأنهم استطاعوا أن يشيدوا مسجدا جامعا فيما بين جمعتين، وهو جامعهم الحالي الذي تم بناؤه في العام 1835م بمبادرة من المحسن يحظيه ولد الفاضل. وحسب الرواية الشعبية المتواترة فقد نفد الماء الذي كان يستجلب من الوادي قبيل اكتمال بناء منارة المسجد. ونظرا لحرص المشيدين على إكمال بناء المسجد من قبل وقت صلاة الجمعة فقد اضطروا لخلط الطين بالدهن لإكمال بناء المنارة، وذلك رغم ندرة الدهن ورغم غلائه في المدينة. ولقد حافظت الجهات التي رممت المسجد فيما بعد ذلك على تلك البقعة الدسمة من المنارة، فاستخدمت مادة دسمة لترميم جزء المنارة الذي تم تشييده بالطين المخلوط بالدهن.

حكاية مفاتيح : ستظل حكاية مفاتيح الطالب عيدي هي أفضل حكاية يمكن من خلالها إعطاء صورة عن مدى العمران الهائل الذي عرفته مدينة وادان في فترة من فترات تاريخها.

يقول الوادانيون أن الطالب عيدي نسى في يوم من الأيام مفاتيحه في الحقل، ولم يتذكر ذلك إلا بعد وصوله إلى منزله في المدينة، فما كان منه إلا أن طلب من مزارع بجوار المدينة أن يخبر المزارع الذي يليه بذلك، ليخبر ذلك المزارع بدوره المزارع الذي يليه، حتى وصل الطلب للمزارع الذي لديه المفاتيح، والذي كان على بعد 12 كيلومتر من المدينة. وما كان من المزارع الذي كانت لديه المفاتيح إلا أن سلم المفاتيح للمزارع الذي يليه، ليسلمها ذلك بدوره للمزارع الذي يليه، حتى وصلت المفاتيح إلى الطالب عيدي في منزله دون أن يتحرك أي مزارع من مكانه، ودون أن يترك أي مزارع مكان عمله. ولقد أصبح الطريق الذي سلكته المفاتيح تُعرف بطريق الطالب عيدي.

شارع الأربعين عالما

أما التطور الثقافي والعلمي الذي عرفته المدينة فيعكسه شارع الأربعين عالما، حيث كان يوجد في وادان أربعون منزلا متجاورا في كل منزل عالم على الأقل. وكان بإمكان طالب العلم في وادان أن يتجول في المدينة وهو يتلو القرآن أو يقرأ بعض المتون، دون الحاجة إلى شيخ محدد، وإذا ما واجه صعوبة أثناء تلاوته أو أثناء مراجعته لأحد المتون فما عليه إلا أن يقف عند باب أي منزل، وهناك سيجد من يقوم بمهمة الأستاذ ويصحح له.

صخرتان وحكايتان

الصخرة الأكثر شهرة في وادان هي تلك الصخرة التي يقول الوادانيون بأنها قد أصبحت قبرا للعالم العابد الطالب أحمد ولد اطوير الجنة، وهو قبر لازال قائما في وسط المدينة القديمة. وتقول الروايات الشعبية المتواترة إن الطالب أحمد ولد اطوير الجنة كان قد أوصى قبل موته بأن يذهب بجنازته إلى صخرة معروفة في وادان، ويقال لها يا صخرة انشقي فقد جاءك الطالب أحمد، وتقول الروايات بأن الصخرة انشقت، ووضعت فيها جنازة الطالب أحمد لتنغلق عليه وتعود كما كانت.

أما الصخرة الثانية فهي صخرة الفاضل ولد أحمد امحمد، وهي صخرة كبيرة يقول الوادانيون بأن الفاضل هو الذي جاء بها إلى المكان الذي توجد فيه الآن.

حكاية المرأة والدار: يشتهر الوادانيون بالتعاون والتكافل، وفي الماضي كان يكفي لمن يريد بناء دار مثلا أن يعلن ذلك، ليجتمع الناس من حوله ويعينوه على بنائها. وقد يكون المال والجهد الذي يبذله مالك الدار لتشييدها، أقل مما ينفقه ويبذله بعض المتعاونين معه في بنائها.

وتقول الروايات الشعبية التي تختلف حول بعض الجزئيات إن امرأة غنية من أهل وادان، قررت أن تحفر بئرا أو تشيد دارا، فما كان من تلك المرأة إلا أن أجَّرت بعض العمال لإنجاز المهمة ( حفر البئر أو تشييد منزل ). وبعد اكتمال العمل قام رئيس وادان آنذاك باستدعاء السيدة المذكورة، وكان الرئيس في تلك الفترة هو سيد أحمد الأطرش، والذي لُقِّب بالأطرش لأنه ـ حسب الرواية الشعبية ـ كانت له قدرة عجيبة في التفريق بين صاحب الشكوى الحقيقية، وصاحب الشكوى المزيفة. وكان يتظاهر بالصمم لأصحاب الشكاوى المزيفة فلقبوه بالأطرش. وتقول الرواية الشعبية بأن سيد أحمد الأطرش قام بهدم المنزل حسب أصحاب الرواية الأولى، أو بردم البئر حسب أصحاب الرواية الثانية، وطلب من أهل وادان أن يحفروا للسيدة بئرا، أو يشيدوا لها دارا، وذلك بعد أن حذرها من العودة لمثل هذه التصرفات التي تخالف ـ وبشكل صارخ ـ تكافل أهل وادان الذي عُرفوا به على مر العصور .

الطبل وساحة الرُّحْبَة: ساحة الرحبة هي ساحة فسيحة كانت تستخدم في الماضي لأغراض شتى، وهي الآن توجد فيها صخرة يقال أنها كانت تستخدم لقياس القوة، خاصة بالنسبة للشاب الذي يريد أن يُعلن عن دخوله في مرحلة الرجولة.

وعلى جانب من الرحبة توجد خشبة يقال أنها كانت تستخدم لإقامة الحدود، وبجنب تلك الخشبة يوجد مكان لخشبتين يقال أن طبل وادان كان يوضع بينهما، والطبل يوجد الآن في دار أهل شماد المجاورة لساحة الرحبة.

وكان الطبل يستخدم لعدة أغراض، فكان يستخدم للأفراح، وكان يستخدم كصفارة إنذار، كما كان يستخدم أيضا للإعلان عن قدوم الضيوف.

السور والبئر والمحصنة

اشتهر سور وادان ـ الذي تم تشييده بعد تأسيس المدينة بأربع سنوات ـ شهرة كبيرة، ولهذا السور أربعة أبواب مشهورة يقال إن كل باب منها كان يمكن أن يمر منه جمل يحمل هودجا، دون أن يلمس أي جزء من أجزاء السور العلوية أو الجانبية.

ولقد حفر الوادانيون بئرا داخل السور لجلب الماء في حالة إغلاق السور، عند التعرض لأي تهديد خارجي. وتعرف هذه البئر الآن بالبئر المحصنة، ولها طريق سري يوصل إليها يمر من داخل ثلاثة ديار من ديار المدينة. وعند البئر توجد أمكنة للحراسة أو ما يعرف بالرقابة الداخلية للبئر، وتوجد بعض الفتحات التي تمكن الحراس من مراقبة ما يجري خارج مكان البئر، كما أن تلك الفتحات كانت تستخدم لتصويب فوهات البنادق من خلالها. وكان من مهام الرقابة الداخلية أن تشرف على تنظيم جلب الماء من البئر المحصنة في حالة إغلاق السور والعدالة في توزيعه، حيث لم يكن يسمح لأي أسرة بأن تجلب الماء من البئر المحصنة، مرة ثانية، من قبل أن يأتيها الدور وبعد أن يكون كل أهل المدينة قد أخذوا نصيبهم من الماء.

وهناك أيضا دار للرقابة الخارجية، تراقب الخارجين والداخلين، وفي حالة الإغلاق المفاجئ للسور نظرا لأي طارئ، يكون بإمكان أهل الرقابة الخارجية تحديد كل أسماء أولئك الذين أغلق السور من قبل عودتهم إلى المدينة.

تصبحون وأنتم في وادان....

ملاحظة : تشهد مدينة وادان في هذه الأيام بردا شديدا مصحوبا بأتربة، لذلك ننصح كل المشاركين في النسخة الثانية من مهرجان المدن القديمة، بأن يصحبوا معهم ملابس تقي من الغبار والبرد.

محمد الأمين ولد الفاضل

رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية

elvadel@gmail.comهذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته

السبت، 4 فبراير 2012

ختتام الندوة العلمية الإسلامية الدولية ال 24

ختتام الندوة العلمية الإسلامية الدولية ال 24
نواكشوط  ،  04/02/2012  -  اختتم التجمع الثقافي الإسلامي ليلة البارحة في نواكشوط ندوته العلمية الإسلامية ال 24 المنظمة هذه السنة تحت شعار: "دور شباب المستقبل بين تطلعات التغيير ومقتضيات الترشيد".
ونظمت الندوة بالتعاون بين التجمع الثقافي الإسلامي والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم وبدعم من شركة "شنقيتل".
وأعرب رئيس التجمع الشيخ محمد الحافظ النحوي في كلمة بالمناسبة، عن سروره بحضور المدعوين الذين قدموا من الخارج والبلاد النائية مرحبا بالجميع ترحيبا خاصا.
وتحدث رئيس التجمع عن أهمية محبة النبي صلى الله عليه وسلم والتفاني في طاعته واتباعه مستشهدا ببعض الأحاديث النبوية الواردة في هذا الموضوع.
وأشار إلى أن ذكرى المولد النبوي ذكرى عظيمة ويوم مشهود ينبغي أن يبتهج به المسلمون ويقدرونه حق التقدير.
وبدوره ذكر الشيخ محمد الحسن ولد الددو بفضل النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه وشفاعته في الخلائق أجمع يوم الحشر بعد أن يعتذر عنها أولو العزم.
وتتبع الشيخ جوانب من حياة الرسول الكريم كقصة إسرائه ومعراجه.
من جهتهم ثمن متحدثون باسم المشاركين في الندوة هذه التظاهرة العلمية والظرف الزماني الفريد الذي اختير لتنظيمها.
وأصدر المشاركون بيانا ختاميا دعوا فيه إلى تحقيق السلم الاجتماعي والإصلاح المنشود والتصدي لكل أشكال العنف والإقصاء وتعزيز الحوار ومراعاة المصالح وضرورة نشر قيم العدل والمساواة، إضافة إلى دعوة هيئات المجتمع المدني إلى وحدة الصف ونبذ الفرقة.
وتضمنت الندوة مسابقة في السيرة النبوية حصل ثلاثة متسابقين فيها على الرتبة الأولى ومتسابق واحد في الرتبة الثانية بينما جاء ستة متسابقين في الرتبة الثالثة.
وحضر اختتام الندوة مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاسلامية والأمين العام لوزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي وكالة وجمع من الأئمة ورجال العلم والثقافة والشعر.

الأحد، 29 يناير 2012

جامعة نواكشوط تنظم محاضرة حول منهجية كتابة تاريخ المقاومة الوطنية

جامعة نواكشوط تنظم محاضرة حول منهجية كتابة تاريخ المقاومة الوطنية
 
نواكشوط  ،  25/01/2012  -  نظمت جامعة نواكشوط اليوم الأربعاء بكلية الآداب والعلوم الانسانية بنواكشوط محاضرة تحت عنوان "مقاربة منهجية لكتابة تاريخ المقاومة الوطنية"القاها الدكتور محمد المختار ولد سيدي محمد استاذ التاريخ بالجامعة، تعرض فيها لأشكال المقاومة الوطنية للمستعمرالذي غزا البلد وسعى لمحو هويته الحضارية والدينية.
وقال إن كتابة تاريخ المقاومة الوطنية يعد شهادة على بطولات وتضحيات رجال المقاومة كشكل من أشكال الوفاء لهذا الجيل.
وأضاف أن بناء الشخصية الوطنية لايمكن إلا من خلال الاهتمام بالشهداء الذين ضحوا من أجل شعبهم ووطنهم.
ونبه إلى أن كل الكائنات الحية لديها استعداد للدفاع عن نفسها عندما يعتدى عليها.
وأشار إلى أن هناك صعوبات ومشاكل منهجية اعترضت سبيل كتابة تاريخ المقاومة ترتبط بتحديد مفهوم المقاومة عند الباحثين والكتاب .
وقال" إن الوقائع لم يتم حصرها حتى الآن حيث أن البعض يرى أنها بدأت في القرن ال 19 أو ال 20 في ولاية اترارزة وعلى ضفة النهر".
وأكد "أن الوثائق الموجودة اليوم هي من تأليف فرنسيين ليسوا محايدين حيث يتحدثون عن رجال المقاومة بوصفهم متمردين ومجرمين".
ولاحظ أن تاريخ المقاومة مجهول في المحافل الدولية والعلمية بسبب إهمال الموريتانيين لهذا الجانب من حياة الدولة والشعب الموريتاني.
وقال "إن على الجميع السعي لبناء ذاكرة وطنية تعنى بحفظ تاريخ المقاومة وبناء مؤسسة تختص بحفظ تراث البلد والتعريف بأعلام المقاومة".
وعقب على المحاضرة السيد سعد بوه ولد المصطفى، رئيس الرابطة الوطنية لتخليد بطولات المقاومة الوطنية، حيث شكر قسم التاريخ بجامعة نواكشوط على هذه المحاضرة" التي تعرضت لجوانب مهمة من تاريخ البلد".
وثمن المحاور التي تعرض لها المحاضر وطبيعتهاالموضوعية، مؤكدا أن الاهتمام ببطولات المقاومة الوطنية يعتبر واجب الجميع.
وذكر بأن كافة مكونات الشعب الموريتاني واجهت المستعمر بمقاومة شرسة سقط خلالها قادة كبار من المستعمر في شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها.
وطالب الطلاب والباحثين والأستاذة بوضع تاريخ بلدهم في أولوية اهتماماتهم .
وفي الأخير شكر جامعة نواكشوط على تعاونها مع رابطته في مجال إبراز دور المقاومة الوطنية في تحرير البلد وطرد الاستعمار.

الجمعة، 20 يناير 2012

مدينة المذرذره : نظرة تاريخية و ثقافية "محاضرة"

محاضرة"

0503.jpg - 40.20 Kb

مدينة المذرذره : نظرة تاريخية و ثقافية "محاضرة"

حصل موقع المذرذرة اليوم على النص الكامل للمحاضرة التي ألقاها السيد محمد ولد أحمد الميداح صباح اليوم الجمعة في إفتتاح طاولة مستديرة تبحث سبل تنمية المذرذرة.

 وتأتي هذه المحاضرة في إطار الإحتفالات المخلدة لمئوية المذرذرة.

 وهذا النص الكامل للمحاضرة القيمة:

مدينة المذرذره : نظرة تاريخية و ثقافية

 لا يخلو الحديث عن مدينة المذرذره، تاريخها و ثقافتها، من مجازفة قد تبلغ بصاحبها حد الغرور إذا توهم أو أوهَمَ  أنه قادر علي الإحاطة بالموضوع من كل جوانبه ...

 و السبب في ذلك هو أن المتحدث عن هذه المدينة العريقة يتعين عليه إن يصارح المنصتين له معترفا في أول وهلة أنه لن يتناول من الموضوع إلا جزيئات متفرقة لا تطمح لأكثر من فتح الشهية و إذكاء النقاش.

 و لا شك أن من لهم إلمام بعموميات الحقائق التاريخية و الثقافية يدركون أن المذرذره، و هي اليوم هذه القرية المتهالكة و المبتورة جغرافيا من كل جوانبها، قد كان لها علي مر التاريخ ذكر يتعدي حدودها الراهنة و إسهام لا لبس فيه في تكوين و تأصيل القيمة التاريخية و الثقافية لما نسميه اليوم الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

 و من حق المتلقي أن يحكم  بأن هذه المكانة التاريخية التليدة ليس لها ما يعضدها، في الوقت الراهن، من الناحية المنطقية علي الأقل، إذا ما نظر إلي ما تشهده المذرذره اليوم من الرتابة و البعد عن الأضواء و فقدان الأمل في المستقبل.

 أما أهل المذرذره المتشبثين بالانتماء إليها و الذين ما زالوا يطمحون إلي استرجاعها لمكانتها الأولي، فإنهم بطبيعة الحال يرجون أن تتغير أمورها إلي الأحسن و لا يقللون من شأن الجهود الحثيثة التي يبذلها بعض أبنائها البررة من أجل تسليحها بالأدوات اللازمة لتصحيح مسارها و عودتها إلي أيام عزها و صلابة عودها.

 و لبلوغ تلك الأهداف، لا بد أن نلقي نظرة و لو خاطفة علي المذرذره من الناحيتين التاريخية و الثقافية.

 و لكن ...

قبل ذلك، يجب التنبيه إلي أن التاريخ و الثقافة وجهان لعملة واحدة و مدلولان يصعب التحدث عن أحدهما دون الانجراف نحو الآخر ...

 و  توخيا منا للمنهجية ، فإننا سنحاول تخصيص فقرة لكل منهما قبل أن نربطهما بمتطلبات التنمية ثم نقترح بعضا من الحلول التي من شأنها ـ إن هي لاقت التجاوب من لدن من يهمهم الأمر ـ أن تعيد المياه إلي مجاريها الطبيعية و أن تمكن المذرذره من لعب الدور الذي لعبته في الماضي و الذي تتطلبه منها و من جميع أبنائها المشاركة الفاعلة في عملية البناء الوطني.

 1) المذرذره التاريخية

اـ المذرذره في التاريخ القديم

لقد شاء الله لهذه الرقعة من الأرض أن تكون منطلق الزعامة منذ القدم و أن تأوي إليها كل مجموعة قدر لها أن تلعب دورا رياديا في تاريخ البلاد.

 فعلي أرض ما يعرف اليوم بمقاطعة المذرذره، تكونت قبائل و جماعات عريقة منذ بداية التاريخ منها الجماعات التي توطنت الرباط في المحيط الأطلسي و دعت إلي تصحيح المفاهيم الإسلامية قبل أن تطلق من هنالك دولة المرابطين التي صنعت التاريخ و امتد نفوذها إلي المغرب و إلي الصحراء الكبري ...

 و علي أرض المذرذره، نشأت إمارة أولاد رزك، أولئك العرب الأقحاح الذين اشتهروا بدماثة الأخلاق و اتساع القيم الفاضلة...  و قد بلغ سكان المذرذره الأصليون مبلغا في العلم و الورع لم يتأت لغيرهم  في جميع أنحاء البلاد...  و استطاعوا بالحكمة و الموعظة الحسنة أن ينقذوا الشعوب الإفريقية المجاورة من الضلالة و عبادة الأوثان ...

 و علي أرضها أيضا، تواصت جماعات تشمشه علي البر و التقوي في ميثاق مشهور ركائزه  الأخلاق و القيم  المستوحاة من نهج القرءان الكريم إلي أن عرفت المنطقة كلها بالإعتدال و الوسطية و سعة العلم و الإستماتة في نشره داخل البلاد و خارجها ...

 و علي أديم هذه الأرض الطيبة، تأسست أولي الإمارات المغفرية، إمارة اترارزه، ذات الصيت الواسع التي تزودت من الجزيرة العربية بالشهامة و بكل ما يمت بصلة إلي القيم الفاضلة و الدراية بفنون القتال و البسالة و الذود عن الحريم... و قد أهلتها تلك الغرائز لأن تنشر العدل في بلاد السيبة و أن تكون درعا منيعا ضد التدخل الأوروبي طيلة القرنين الثامن عشر و التاسع عشر الميلاديين.

 و تميزت المذرذره في تلك الفترات بالسمعة الطيبة في أنحاء البلاد و خارجها و رغم الهزات التي عكرت في الماضي البعيد صفو العلاقات بين بعض مكونات هذه المنطقة، فإنهم قد أصروا علي نبذ الخلافات و التعايش السلمي مع  الإحترام المتبادل و التكامل في الأدوار و الإقتناع بوحدة المصير.


ب ـ المذرذره منذ بداية القرن العشرين

لقد ألمخنا آنفا إلي الدور الأسطوري الذي لعبه أهل المذرذره في صد الأطماع الإستعمارية و لم نفرد لذلك التاريخ فصلا، مكتفين بالإشارة إليه من باب شهرته و عدم الحاجة إلي توضيح ما هو واضح و مدون في كتب المؤرخين و ساري علي ألسنة المتحدثين.

 و مع بداية القرن العشرين، و بعد حروب طاحنة خاضها أهل المنطقة مع الأوروبيين المتواجدين علي الضفة اليمني من النهر السنغالي، تبني المستعمر خطة جديدة تقضي بالتوغل في الأرض الموريتانية و كانت المذرذره بالطبع هي الواجهة المفروض عليها أن تكتوي بحر  الإستعمار قبل أي بلدة أخرى.

 وتم إنشاء المركز الإداري في المذرذره الحالية سنة 1907 بعد تواجده في أخروفه قادما إليها من سهوت الماء...  و بدأت المذرذره بالفعل تظهر للوجود كعاصمة إدارية لساكني مناطق واسعة يوجد أغلبها  اليوم و أكثرها فائدة من الناحية الإقتصادية مبعثرا بين مقاطعات لكوارب و اركيز و واد الناكه و كرمسين و اكجوجت و انواذيبو ...

 و في 28 من نوفمبر 1908، شهدت المذرذره أشهر و أعتا معركة ضد المستعمر الفرنسي و ذلك عندما انطلقت جماعة جلها من أبنائها بقيادة الأمير ولد الديد و اشتبكت مع سرية فرنسية يقودها الملازم جانه ربول في بلدة لكويشيشي... و كانت النتيجة معروفة و لا داعي للإطالة في شأنها ...

 و في سنة 1910، افتتحت في المذرذره أول مدرسة نظامية و قد قابلها السكان بالرفض و بالفتاوى المحرمة  للإكتتاب فيها حتي أرغمت علي الإختفاء طيلة عشرين سنة إذ لم تر النور من جديد إلا في شهر أكتوبر من سنة 1930.

 و شهدت المذرذره خلال  سنة 1926 وصول الشريف الشيخ حماه الله منفيا إليها من طرف السلطات الفرنسية من موطنه انيورو في جمهورية مالي الحالية.

 و كان سبب اختيار المذرذره من طرف الفرنسيين هو اعتقادهم ـ حسب الوثائق الإدارية ـ أن الشريف المنفي سيقابل بعدم الترحاب لأن أهل المذرذره، في زعمهم، يكرهون الطرق الصوفية و يتبنون إسلاما ظاهريا لا مجال فيه لاحتضان من يدعون الكرامات و الأمور الباطنية...

 و يمكن القول إن مجريات الأمور خيبت آمال المستعمرين لأن الشيخ حماه الله، و إن كان أهل المذرذره لم يتتلمذوا عليه بالمفهوم التقليدي، فإنهم رحبوا به جماعات و فرادي و قدموا له الهدايا و عظموه طيلة السنوات الأربع التي قضاها بين ظهرانيهم.

 ومن المذرذره، انطلق الوعي السياسي و فيها اجتمع قادة الرأي و كبار العلماء و من مدرستها تخرج معظم ساسة الدولة الموريتانية الأوائل.

 و كانت حركة النهضة خير دليل علي ذلك و منذ ذلك التاريخ، فإن الأحكام المتعاقبة علي البلاد سواء كانت استعمارية أو وطنية، تعتبر المذرذره قلعة من قلع الصمود و عدم الإنصياع للأمر الواقع.


1) المذرذره الثقافية

سأعتذر في بداية هذا الفصل عن ذكر أسماء العلماء و الشعراء الذين نوروا هذه المدينة بعلمهم الغزير و بأشعارهم المدوية، أولئك الرجال الذين ذاع صيتهم في شتي أنحاء البلاد و في بلاد ما وراء النهر حتي جعلوا من اسم المذرذره مرادفا للإشعاع العلمي و للعطاء الأدبي بلا منازع.

 و إن كان البعض يظن أن حرصي علي عدم ذكر الأسماء سببه الحذر من إذكاء الحساسيات، فقد يكون ذلك التصور في محله... و لكن السبب الحقيقي هو أنني إذا فتحت الباب واسعا لسرد أصحاب اليد الطولي في شتي الفنون الثقافية من أبناء المذرذره قديما و حديثا، فإنني سأقضي أيام هذه الطاولة المستديرة كلها قبل أن أذكر ثلث الجديرين بالذكر و بالإشادة.

 و توخيا للإختصار، يمكننا القول إجمالا إن المذرذره تعاقبت فيها من قديم الزمان أجيال من العلماء الأفذاذ و الشعراء المفلقين من كل الأوساط و الفئات الشعبية  و أن محاظرها ذاع صيتها في كل الجهات و كانت محط رحال الدارسين لشتي الفنون.

 و شكلت المذرذره مخزنا من مخازن المخطوطات بجميع أصنافها و فيها خلد التاريخ ذكر أسماء رجال و نساء برعوا في الفقه و السيرة النبوية و في الشعر فصيحه و شعبيه والنحو و المنطق و البيان و في مجال الطب التقليدي الذي تثبت الوثائق التي اطلعت عليها أن الفرنسيين نصحوا بعض معاونيهم باللجوء إليه و أن أحد الإداريين تأسف كثيرا علي عجزه

عن ترجمة عمدة أوفي إلي الفرنسية و طلب من السلطات في سينلوي أن تقوم بذلك الجهد و لم يسعفني البحث في معرفة ما إذا كانت هذه الترجمة قيم بها أم لا.

 و عرفت المنطقة بثقافة أهل ايكيدي التي تأسست علي اختيار الكلمة المناسبة في المكان المناسب و اعتماد العبارة الأدبية الوجيزة و المعبرة في نفس الوقت عن شحنة كبيرة من المعاني الجزيلة.

 و في مجال الصناعة التقليدية، فقد أجمع المهتمون بالتراث علي ما حازته المذرذره من السبق و ما أبدعته أيدي صناعها التقليديين من أدوات تنم عن مهارة لا لبس فيها.

 و قد شكلت دار الصناعة، إلي حد قريب، ورشة مستمرة يعمل داخلها عشرات الصناع التقليديين المهرة و كانت الدولة الموريتانية الحديثة تقدر ما يبدعه صناع المذرذره و تعتمد عليه لتقديم الهدايا للوفود الزائرة وللتعريف بالبلاد و بتراثها الثقافي الجميل عبر العالم.

 و في مجال الأدبي و الموسيقي، فإن للمذرذره نصيبها الوافر من خلال أسرها الفنية المعروفة التي قدمت عطاء جزيلا ساهم إلي حد بعيد في إشعاع البلاد الموسيقي و شكل مدرسة فنية قائمة بذاتها تسمي اليوم مدرسة الكبله.

 و حتي الآن، فإن المهتمين بالأدب يعتبرون شاعرا و أديبا كل من عرفوا أنه منحدر من مقاطعة المذرذره.

 و قد برعت المذرذره كذلك في الفولكلور الشعبي و خاصة في المديح النبوي الشريف المنظم في دوائر عفوية و ضاربة في جذور الفن الإسلامي و لهم أيضا اليد الطولي في قرع الطبول و الفنون المصاحبة لذلك كالسرد (أي الْعَدْ) و لعب الدبوس الخ ...

 و في مجال العلوم العصرية، فإن  للمذرذره نصيبها الوافر إذ خرَّجت مدرستها أجيالا من المثقفين العباقرة الذين أسهموا بجدارة في بناء الدولة الحديثة.

 و من المذرذره، عين أول إداري موريتاني و تم اعتماد أول سفير فوق العادة و كامل السلطة في العالم العربي لأن الإرادة السياسية آنذاك التي كانت تحرص علي ربط البلاد بمحيطها العربي بعد محاولات المستعمر فصلها عنه، أصرت علي اختيار دبلوماسي محنك من وسط مؤهل لتلك المهمة.


... و خلاصة القول، إن للمذرذره ماض ثقافيا حق له أن يكتب بحروف من ذهب و وجب علي  أبنائها أن يتداركوه ما استطاعوا غلي ذلك سبيلا.


1) تشخيص و حلول مقترحة

أـ  التشخيص

لقد سردنا في الفقرتين الماضيتين حقائق تاريخية تصب كلها في إطار ذكر مآثر المذرذره من الناحيتين التاريخية و الثقافية ...

 و قبل أن نقدم مقترحات من شأنها أن تنير الطريق لبلوغ أمام المهتمين بتنمية هذه المدينة التاريخية، فإننا سنقف وقفة تأمل قصيرة لنري ماذا تبقي من هذا الزخم الذي كنا نتحدث به قبل قليل.

 و بداية، نقول جازمين إن حاضر المذرذره و ماضيها مختلفان اختلاف الليل و النهار:

 فلم تعد المذرذره تلك الدوحة الجميلة التي تلقي بظلالها علي الوطن كله أدبا و فقها و سيرة و منطقا و بيانا و جدا في التحصيل و حرصا علي المشاركة في تقرير المصير.

 و لا شك أن بعض المتتبعين لمسيرتها التاريخية و الثقافية، الغيورين عليها، أصبحوا يتشاءمون من دلالة الإسم الذي اختاره لها مؤسسوها الأوَّل، و يرون فيه تبريرا لما تشهده من تقاعس تدريجي علي جميع المستويات.

 فقد اختفت المحاظر بشكل شبه كلي و تدنت مستويات التعليم النظامي و لم يعد أبناء المذرذره كما كانوا الأوائل في المسابقات و الإمتحانات الوطنية.

 و ذهبت نفائس المخطوطات هباء في بطون الحشرات و غابت إلي الأبد علوم و أسرار طالما شكلت مفخرة لأبناء هذه المقاطعة.

 و بدورها، فقد أصبحت دار الصناعة التقليدية بيوتا خربة متهالكة، لا عهد لها بالمهارة و الإبداع منذ أن هجرها الصناع التقليديون مستسلمين لعبء الظروف المعيشية التي أرغمتهم علي الذهاب إلي أحياء الصفيح في انواكشوط و بعض المدن الأخرى.

 و علي الصعيد الفني، لم تعد في المذرذره آلة موسيقية واحدة و مع أن بعض أبنائها هم اليوم من خيرة الفنانين علي المستوي الوطني، فإن النمط الموسيقي الخاص بمدرسة الكبله التاريخية، في طريقه إلي الزوال.


1) الحلول المقترحة

و تفاديا لهذه الوضعية المزرية و من أجل أن تستعيد المذرذره قيمتها التاريخية و الثقافية و ألقها الذي بوأها مكانة مرموقة بين كل المدن و القرى الموريتانية، فإننا نتقدم بالمقترحات التالية:

ـ تعبيد الطريق الرابط بين المذرذرة و تكند لإعطاء المدينة أملا في البقاء.

ـ إنشاء مركز ثقافي في المدينة، يكون دوره جمع و حفظ الموروث الثقافي المحلي في جميع الميادين العلمية.

ـ إنشاء مكتبة بلدية تضم جميع مؤلفات أبناء المذرذره، قديمَها و حديثها.

ـ إنشاء مركز خاص بحفظ المخطوطات و معالجتها بالطرق الحديثة.

ـ التعريف بقبور العلماء و الشعراء و المتميزين من أبناء المذرذره.

ـ بناء نصب تذكاري لزعماء المقاومة و وضع لوحة تذكارية عند بلدة لكويشيشي التاريخية.

ـ فتح مركز للطب التقليدي في المدينة و ترجمة المؤلفات الطبية القديمة  إلي اللغات الفرنسية و الإنكليزية و الإسبانية.

ـ تشجيع السياحة الثقافية عن طريق إعداد كتيبات حول العظماء و الأماكن التي شهدت أحداثا تاريخية أو ثقافية هامة.

ـ إنشاء متحف للآلات الموسيقية التي كان يستخدمها فنانو المذرذره القدامى و التعاون مع الإذاعة الوطنية لتسجيل الأشرطة القديمة و حفظها لتمكين الدارسين و الباحثين من الإطلاع عليها و دراستها و التبحر في مضامينها.

ـ إعادة تأهيل مقر الصناعة التقليدية و تشجيع الصناع التقليديين علي العودة و توفير الأدوات و البني التحتية و باقي الوسائل اللازمة لذلك.

ـ تشجيع إنشاء الجمعيات و النوادي الثقافية و دعمها ماديا و معنويا حتي نربط الشباب بثقافته و ننمي فيه غريزة التشبث بالماضي و حب الفضيلة و روح التسامح و الإنفتاح.

ـ إنشاء موسم ثقافي سنوي في المذرذره علي شكل مهرجان تجري خلاله مسابقات في حفظ القرءان و الحديث و فنون الشعر و الإبداع.

ـ إنشاء جائزة المذرذره السنوية في التفوق الدراسي علي أن يستفيد منها أبناء المذرذره الذين يحصلون علي أعلي درجة في الإمتحانات الوطنية.

ـ تحريم تغيير أسماء الأماكن القديمة و منح الشوارع و بعض الأماكن العمومية أسماء شخصيات لعبت أدوارا تاريخية أو ثقافية علي مستوي المذرذره؟


و في الختام، فإن مستقبل المذرذره بيد أبنائها و لن تتحقق لهم أمنية إلا إذا شمروا عن ساعد الجد و حاولوا تدارك ما فاتهم من تنمية بلدتهم لأن عدم تحريكهم ساكنا من أجل إنقاذها جريمة نكراء و استقالة من الواجب لا مبرر لها علي الإطلاق.

و لا شك أن شركاءنا في التنمية يدركون الدور الذي ننتظره منهم كما يعرفون أن تنمية المذرذره مشاركة نبيلة في تنمية الموروث الثقافي و التاريخي للبشرية جمعاء.

و الله أرجو أن تجد دعواتنا آذانا صاغية و أن تعود المذرذره علي أيدينا إلي وضعها المشرق لتساهم بجدارة في عملية البناء الوطني.

الثلاثاء، 17 يناير 2012

لمحات من حياة العلامة محنض باب ولد اعبيد

لمحات من حياة

 العلامة محنض باب ولد اعبيد


يقلم/ عبد الله ميارة ـ نقلا عن موقع

http://www.chingit.net

يقف العلامة محنض باب في مقدمة علماء شنقيط الذين طبقت شهرتهم الآفاق وذاع صيتهم وانشغلوا بهموم البلاد خاصة مسألة غياب السلطة السياسية وعملوا على إعادة دور العلماء المجتهدين في توجيه وإدارة المجتمع والبحث عن حلول للمشكلات المختلفة . يعتبر محنض باب أحد اقطاب أو عمدة المثلث المرجعي الذي اهتم ونظر للفكر السياسي الشنقيطي حيث مثل إلى جانب الشيخ محمد إلمامي ولد البخاري ، والشيخ سيد المختار الكنتي ، والشيخ سيدي باب رواد هذا الفكر ودعاة نصب الإمام وإقامة سلطة سياسية تحفظ الدين وتسوس الدنيا .
كرس بنفسه مهمة إقامة الحدود في الفترة التي عمل فيها قاضيا لأمير اترارزة محمد الحبيب بن أعمر ولد المختار (1245هـ ـ 1826م ـ 1277هـ ـ 1860م) واجتهد في الكثير من النوازل الفقهية التي طرحتها بيئته البدوية وواجه مجتمعه ووسطه الاجتماعي والثقافي . كما دخل في المعترك العلمي والمجادلة لمع العلماء في مختلف القضايا التي عالجوها ، وسجلت له مواقف مشهورة من هذه المساجلات التي سنعطي أمثلة لها .

ونعرض هنا في هذه الحلقة لمحات من حياته ودراسته وشيوخه وإسهاماته العلمية والعملية .
نشأته :
ولد العلامة محنض باب بن أحمد بن البخاري بن بوي بن يعقوب بن المختار بن بارك الله بن يعقوب الله بن ديمان سنة (1185هـ ـ 1771م) وينتهي نسبه إلى أمهنض أمغر أحد الخمسة الذين أسسوا الرباط الشمشومي ، ويرتفع نسبه في أكثر الشجرات إلى عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
والدته (تانيت)بنت المختار بن المحجوب بن الطالب أجود ظاهرة الصلاح كثيرة البر مشتهرة بالمكاشفات والبركات .
نشأ يتيما وأظهر مبكرا عصاميته في تحصيل العلوم والمعارف فساعده في ذلك ذكاء وقاد وحافظة قوية ، أخذ النحو عن محمد التاه وألمين بن الماحي ، ودرس التصوف على يد سيدي مولود فال اليعقوقي ، والفقه على يد خاله حامد ولد المختار ولد الطالب أجود .
قال عنه صاحب الوسيط : ((علامة شنقيط عقدها الفريد البدر المنير العلامة التحرير سيف الله القاطع، غيثه الهامع شمر عن ساعد الجد وأدرك العلوم بفهمه وكده ، هو مدرة عصره ولعم مصره أبرزه الله لأهل اقليمه : بدرا منيرا وللصادين عذبا نميرا ، ما ضاعت أوقاته ولا خابت عفاته كان عند حسان حرما آمنا وحصنا حصينا ساكنا وإليه مرجع العلماء إذا اختلفوا ، وما ظنك بمن كان يصلحخ لابن بونه الجكني وهو له عدة تآليف)) الوسيط : ص: 538,536 .
بعد دراسة العلامة محنض باب عاد فأسس محظرته الشهيرة حيث درس ثلاث آجيال من العلماء مدة سبعين سنة ، من أبرز العلماء الذين عاصروه المختار ولد بونه الجكني (المتوفي 1220هـ ـ 1805) وأحمد بن العاقل الديماني (1242هـ ـ 1828م) وحرمة بن عبد الجليل العلوي (1150هـ ـ1737) القاضي الإيجيجبي ت : (1241هـ ـ 1825م)صاحب محظرة الكحلاء .
ألف المختار بن ميلود خي كتابا عنه سماه : (عيون الإصابة في مناقب الشيخ محنض باب) نقتطف منه ما يلي : ((نشأ محنض باب بن اعبيد ببلاد المغرب في "إكيدي" فحمل لواءها وملأ أرضها وسماءها واستتبع سادتها كبراءها ، كان نسيج وحد وغرة دهره ، رحم الله صمها على عباد أشرقت الدنيا بميلاده وازدهت به انتظار ميلاده ، واخضر به سهلها وجرارها ، وأشرق به ليلها ونهارها وانقطع بوفاتها الحق وأظلم الأفق ، وعمى الخلق ، واتسع الخرق )م.س.ص:3

توليه القضاء :
انتهت إليه الرئاسة في القضاء ، نصبه لذلك أهل الحل والعقد من الزوايا وغيرهم ، وكان إذا نزلت نازلة عظيمة أو حدثت معضلة انتظر فلا يفصم عنها حتى يقدم ولم يزل كذلك منذ نحو سبعين سنة .
كانت طريقه في القضاء أنه لا يميل مع الأهواء ، ولا يحكم إلا بالمشهور في الأغلب ، واعتبره المختار بن ميلود خي مجتهدا أعظم بل مجدد القرن الثالث عشر الهجري في هذه البلاد لما رآىفيه من بروزالفقه المرتفع عن التقليد إلى درجة الإختيار والترجيح ، حيث جمع شروط مجتهد المذهب لكونه عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا، بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الإرتياض بالترجيح والاستنباط بإلحاق ما ليس منصوصا عليه لإلمامه بأصوله بل اجتمع فيه أكثر شروط المجتهد واحتج المختار بحديث البخاري ومسلم : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ) من فتاوي غيرالمشهورة وربما الشاذة لمصلحة في ذلك أو بعرف وافقه ، كان يرى أن يحلف الشهود لما رأى من التساهل في الشهادة ويرى أن قول العاقد لا سابقة ولا لاحقة إنما يطلق به إذا مع السابقة واللاحقة لا المعقود عليها لأن مقصدها أن لا يجتمع مع غيرها في عصمة ، لأن اليمين لابد له من لفظ ، كما يرى أن الضامن يغرم ولو حضر المضمون موسرا تناله الأحكام رعيا للعرف .

كان متأسيا بالإمام مالك رحمه الله ـ مكثرا من قول لا أدري لأن الإمام مالك كان يقول : ((ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول لا أدري حتى يكون لك أصلا في أيديهم يفزعون إليه ، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال : لا أدري) كان من أحفظ الناس ما استودع قلبه شيئا فنسيه ، قويا في الحجة والمناظرة ، رحل إلى مدرسته أهل المشرق والمغرب طالبا ، فلم يجتمع في مدرسته التي استمرت زهاء سبعين سنة متخرج منها : الخرش ولد عبد الله ، المختار الكنتي ، محمد باب بن أحمدخ ، اباه اشريف المجلسي محمدي وسف اكيبي ، مولود التندغي ، الشيخ المختار بن أمد ولد ازوين التنواجي ، مولد والمختار أبناء داداه ، وغيرهم كثير كما في الحياة الثقافية للعلامة المختار ولد حامد ـ ص : 326.

أدواره الإصلاحية :
لعب بعض العلماء دورا أساسيا في بلاد شنقيط حيث غياب السلطة المركزية والبحث عن بديل للإمامة لهذا أشرف محنض باب على تنفيذ الحدود والمطالبة بنصب الإمام إلى حد أنه عارض الأمراء الحسانيين في قراراتهم السياسية أحيانا ، مثل معارضته لقرار الأمير محمد الحبيب بفرض حصار على بيع العلك للنصارى أثناء حربه مع الوالي الفرنسي "افيديرب"(1855 ـ 1858) ولعل الظاهر الأبرز هي اجتهاده خاصة أن العالم الإسلامي قد شهد انحصار الاجتهاد وشيوع التقليد والمحاكاة لدرجة أن اعتبره البعض مجدد القرن الثالث عشر الهجري .
(قام محنض باب بدور الإمام الأعظم حيث زاحم فحول العلماء فكان المبرز الجلي ، فعارضوه في كثير من النوازل ، وكان يرى لنفسه وهو في البلاد السائبة ما للإمام الأعظم من تنفيذ الأحكام وأخذ الحق من الظلام إن استطاع إلى ذلك سبيلا ).
كانت دعوة محنض باب إلى تنصيب الإمام استمرار لجهود الزوايا منذ حركة الإمام ناصر الدين لإنشاء دولة إسلامية تلم شتات المسلمين وتحقن دماءهم ، وكانت البادية منطلق هذه الدعوة حيث قنن الفقه وكيف مع الواقع البدوي كما فعل محمد مولود في كفافه ، ونظم الشيخ محمد المامي ولد البخاري الأحكام السلطانية للماوردي ودرس السياسة الشرعية في محظرته ، وعلى هذه منوال سار العلامة محنض باب في دعوته يقول المختار بن ميلود خي (لبث الشيخ رحمه الله يدعوا الناس إلى نصب الإمام وإقامة دين الله إذ يجوز ذلك على الأصح ـ في بلاد لا تجرى فيها أحكام الإمام ، فعارضه في ذلك جماعة فركبوا وجالوا في البلاد يرفعون عقيرتهم به في كل واد وحضوا عليه بالنظم والنثر ، وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر ، فوجدوا الناس قد مات قلوبهم وصمتت آذانهم وعميت ابصارهم حتى كأنه لم يأت به بشير ونذير داع إلى الله وسراجا منيرا ).

كانت الدعوة إلى نصب الإمام مواجهة سياسية مع حسان وحلفائهم من العلماء الذين عارضوا محنض باب ورأوا أن تلك المسائل تخص الإمام الأعظم والقضاء ولا يجوز للمحكم التصدي لها ولا والجماعة وأن الوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لم تشرع ، والحكم بشئ لا يوجد من ينفذه لا فائدة فيه ولا سيما إذا كان يؤدي إلى الفتنة ، رد العلامة محنض باب على ذلك بحججشافية ، ونقول كافيه إذ أن انتظار نصب الإمام وإقامة القضاء يعطل الحقوق وستحل الفروج ويسعبد الأحرار ، ويفسد السبل ، وأن القصاص نزل في التوراة والإنجيل والقرآن (سورة المائدة الآيات : 48/50/74).

لم يكن محنض باب بدعا من العلماء في هذه الدعوة فقد ساعده في ذلك جماعة من أكابر العلماء في القطر الشنظوري ، منهم على سبيل المثال : محمد بن الطلبة ، بابه ولد أحمد بيبه ، الشيخ سيد محمد ولد سيد حمود ،الشيخ محمد المامي ، الشيخ سيدس باب ، الشيخ سيد المختار الكنتي . ومارس قضية الحدود كل من : الطالب محمد بن محمد بن أبي بكر الولاتي ، وأحمد الحاج القلاوي ، ت (157هـ) ولمرابط بن حمدي الحاجي ، وسيد محمد ولد حبت ، ومحمدي بن سيدينا ... وغيرهم .

تراثه العلمي :
يعتبر محنض باب أحد أكابر علماء شنقيط وأكثرهم نشرا لعلوم المنقول والمعقول ، فقها ، وأصولا، ونحوا ، وبلاغه ، ومنطقا من مؤلفاته :
ـ ميسر الجليل على مختصر خليل
ـ سلم الأصول إلى نيل الأصول
ـ مفوتات البيع الفاسد
ـ الفتاوي الكبرى والوسطى والصغرى
ـ الأجوبة الكبرى على أسئلة العتيق الجكني (ستين مسألة )
ـ تسديد النظر شرح مختصر السنوسي
ـ رسالة في بعث الأجساد ضد البخاري ولد الفلالي الشمشوي
ـ رسالة في الحلف بالحرام ضد حبيب الله بن الأمين الجكني
ـ رسالة في ربوية الصمغ
ـ رسالة في مرجع الحبس المعقب ضد حرمة بن عبد الجليل
ـ طرة الجواهر لابن طيب في المنطق
ـ نظم في أصول الفقه
ـ نظم في إعراب الجمل
ـ نظم في البيان
ـ نظم في قواعد الفقه
ـ نظم المغني لابن هشام
ـ نظم المحفوظات الجموع

رحم الله العلامة محنض باب لقد كان خير خلف لخير سلف ، فهل نكون على مستوى التحدي ونحمل الأمانة ونواصل المسيرة لنشر تراث محنض باب للمساهمة في النهضة المنشودة والإقلاع الحضاري المطلوب إنها دعوة مفتوحة .

المصادر والمراجع :


3) الخليل النحوي : بلاد شنقيط المنارة ـ الرباط ـ تونس 1987م

2) المختار بن حامد : الحياة الثقافية الدار العربية للكتاب 1990م 4) ان الامين الشنقيطي : الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ـ مكتبة الخالجي . القاهرة 1989م 5) يحي بن البراء : الفقه والمجتمع والسلطة المعهد الموريتاني للبحث العلمي 1994م.
1) المختار بن ميلود خي : عيون الإصابة في مناقب محنض باب ، تحقيق محمد بن محمذن فال كلية الآداب جامعة انواكشوط
                          نقلا عن مدونة آمنيكير

الجمعة، 13 يناير 2012

قرية المرام .. سنة كاملة من العطاء .. في عالم التدوين والإعلام والأنترنت؟

قرية المرام ..
سنة كاملة من العطاء ..
 في عالم التدوين والإعلام والأنترنت؟


بمناسبة مرور سنة كاملة من العطاء علي الانطلاقة المشرقة والناجحة لـــ"شبكة المرام للإعلام" تتشرف - قرية المرام - بتقديم التهانيء الخالصة من القلب وإلي كل القلوب الواعية والخيرة ، وبأخلص التحيات ، وتتمني للجميع سنة 2012 سنة سعيدة ومليئة بالمسرات والرفاهية للجميع .
وبهذه المناسبة فإننا في هذه الشبكة سنترك لكم الأرقام تتحدث عن هذه المسيرة والأشواط التي قطعها هذا النوع من الإعلام "صحافة المواطن" والتي نرجوا من خلالها السبق الدائم والنظرة الثاقبة والرؤية الواضحة للمساهمة وبكل تواضع في بناء المعرفة والمجتمع وبناء الشباب وبناء الوطن :
- مدونة شبكة المرام للإعلام عدد الزوار elmaram.blogspot.com   3744 قم بزيارتنا

- مدونة المرام اليوم عدد الزوار elmaramtoday.blogspot.com   1758 قم بالزيارة

- أصدقاء المرام علي الفيس بوك 3444 Elmaram Elkhat إضافة صديق

- متابعي المرام علي تويتر 50  elmaram@ تابعونا علي تويتر

- عدد المعجبين بصفحة المرام علي الفيس بوك   56 سجل أعجبني "مرام العلم والمعرفة والأدب elmaram"

وتصفـــــــــح المزيد ...
وهناك الكثيرعن المرام علي الانترنت


وفي الأشهر القادمة وبحول الله تعالي نعدكم بالمزيد من العطاء والريادة قريبا soon وبتحويل هذه الأعمال إلي موقع ألكتروني رائع ورائد في جميع المجالات الإجتماعية والثقافية والإعلامية و .. و..
مع هذه الشبكة الإعلامية الجديدة نتمني أن تكون :
("شبكة المرام للإعلام
.. لتتعرف وتعرف أكثر..
")

الجمعة، 30 ديسمبر 2011

الإبل فى بلاد الشرق الأدنى القديم وشبه الجزيرة العربية (نقلا عن الجزيرة)

الإبل فى بلاد الشرق الأدنى القديم

وشبه الجزيرة العربية


عرض/ شرين يونس
 

ارتبطت الإبل منذ القدم بالشرق الأدنى وشبه الجزيرة العربية، نظرا لملاءمتها، للحياة الرعوية والظروف المناخية والبيئية الصعبة، لذا كانت لها مكانتها، التي وصلت أحيانا لحد التقديس والعبادة، ورويت عنها القصص والأساطير، وكذلك قيل فيها الشعر، وضربت عنها الأمثال.
 
يسرد هذا الكتاب الصادر مؤخرا عن دار الكتب بهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، لمؤلفه حمد محمد بن صراي، الكثير عن تاريخ الإبل ومكانتها، ولا يعد وصفا أدبيا للإبل، أو بحثا في الجانب اللغوي، وإنما عني كذلك بالجوانب التاريخية والآثارية، من العصور الحجرية إلى القرن الأول الهجري السابع الميلادي.


إضاءات لغوية


تعددت الكتب التي وضعها القدماء من الأدباء والنحويين العرب حول الإبل، ومنهم الأصمعي عبد الملك بن قريب، وكذلك أبو الحسن النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد التميمي المازني البصري النحوي الأديب، وأبو العميثل عبد الله بن خالد، مولى جعفر بن سليمان، وأبو الفضل العباس بن الفرج، وأبو زياد يزيد بن عبد الله بن الحر بن حمام الكلابي، اللغوي الشاعر، وأبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون، المعروف بالقالي، أحد مشاهير الأدباء و البلغاء المسلمين، وغيرهم.
 
-الكتاب: الإبل في بلاد الشرق الأدنى القديم وشبه الجزيرة العربية
-المؤلف: د. حمد محمد بن صراي
-عدد الصفحات: 95
-الناشر: دار الكتب بهيئة للثقافة والتراث، أبو ظبي, الإمارات
-الطبعة: الأولى 2011
شابهت معظم الكتب في مضمونها وأسلوبها، بالاستشهاد بالشعر والحكايات والقصص، ووصف الإبل وألوانها وأعمارها وأسمائها وغير ذلك، إلا أنها فقدت معظمها، ولم يبق إلا ذكرها، أو نقولات منها في مصنفات المتأخرين.
 
ويرجح الباحث أن تكون لفظتا إبل وجمل، من مصدرين مختلفين، فكأن الأولى من وسط وجنوب شبه الجزيرة العربية، والثانية من شمالها، وهو ما دلل عليه بشيوع لفظة إبل في اللغات العربية والسبئية والصفوية والثمودية، في حين انتشرت لفظة جمل في اللغات العبرية والتدمرية والآرامية ولهجاتها الأخرى.
 
أما في كتابات بلاد الرافدين، فإن كلمة "إبل" هي الأقدم ظهورا، ولكن "جمل" هي الأكثر انتشارا، خصوصا في النصوص الآشورية، كما أن اليونانيين ثم الرومان الذين استقروا في سوريا ومصر استخدموا كلمة "جمل" ومنهم انتقلت إلى اللغات الأوروبية الحديثة.
 
ويستدل من الرسومات والتصاوير العائدة إلى فترة ما قبل الميلاد، والتي تمثل مناظر لصيد الجمال، إلى أن الإبل كانت برية أم متوحشة قبل استئناسها، لتستخدم في الركوب وحمل الأثقال.
وقد اختلفت الآراء حول بداية استئناس الجمل، فقيل إنها كانت قبل العام 2000 ق.م، وقيل في بداية القرن الرابع ق.م، أو في الألف الثالث ق.م، أو في القرنين الثالث عشر والثاني عشر ق.م، ولكنها اتفقت على أن ذلك كان في فترة قديمة جدا.
 
وانتقلت الجمال المستأنسة من شبه الجزيرة العربية إلى الشمال، إلى فلسطين وسوريا، وكذلك إلى بلاد الرافدين، وانتشر استئناس الإبل كذلك في أجزاء واسعة من أفريقيا.
 
وتنقسم عائلة الجمال إلى مجموعتين، الأولى مجموعة العالم القديم، وتضم الجمل ذا السنام الواحد والمعروف بالجمل العربي، والجمل الآسيوي ذا السنامين والمعروف بالجمل البكتيري، والمجموعة الثانية، مجموعة العالم الجديد، وتضم ثلاثة أصناف، اللاما والإيلاما والألباكا.

في التراث الديني


تعدد ذكر الجمل، سواء في العهد القديم، أو الجديد، بالإضافة للقرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وكذلك في الأمثال العربية، فجاء في العهد القديم أن ملك مصر صنع إلى أبرام (إبراهيم عليه السلام) خيرا، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وجمال، كذلك إهداء يعقوب عليه السلام لأخيه عيسو ناقة مرضعة وأولادها، كما جاء به أن ملكة سبأ جاءت سليمان عليه السلام في موكب عظيم يضم جمالا محملة أطيابا وذهبا وحجارة كريمة.
 
ويذكر العهد القديم أيضا ما كان لأيوب من نعم، ضمنها نحو 3000 جمل قبل البلاء، وأيضا أن عددا من عشائر بني إسرائيل كانوا يمتلكون نعما كثيرة منها الجمال.
 
"
ورد ذكر وبر الجمل في إنجيل متى، وأطلق على الجمل العربي في التلمود اسم "الجمل الطائر"، أما في القرآن الكريم فيرد ذكر الإبل وما دل عليها، في العديد من الآيات
"
وفي العهد الجديد، الإنجيل، ورد ذكر وبر الجمل في إنجيل متى، وأطلق على الجمل العربي في التلمود اسم "الجمل الطائر"، أما في القرآن الكريم فيرد ذكر الإبل وما دل عليها، في العديد من الآيات، منها الأنعام الآية رقم 144، والغاشية الآية رقم 17، والأعراف الآية 40، والمراسلات الآية 33، ويوسف في الآيتين رقم 65، 72، والواقعة الآية 55.
 
وتتعدد الإشارات إلى الإبل في الأحاديث النبوية، وضرب الرسول صلي الله عليه وسلم المثل في الاهتمام بالإبل، والتعامل معها في سيرها وسفرها ومرضها، كما عرفت الإبل أيضا كمركوب الأنبياء السابقين عليهم السلام.
 
وانتشرت العديد من الأمثال عند العرب التي تشير إلى الإبل، فكانت كرائم الإبل مثلا في النفائس، فقيل مثلا "حمر النعم"، ورأت العرب في حنين الإبل، مثلا للإقبال والعاطفة والرجوع إلى الموطن الأصلي، كضرب المثل بغرائب الإبل، وصارت "صولة الجمل أي عضته: شبيها لغيرة الإنسان وحقده، كما ضرب المثل بركبتي البعير في التشابه والأشياء المتكافئة.

في التراث الأدبي واللغوي



زخر الشعر العربي القديم والمعاجم اللغوية واللغة العربية عموما، بالمصطلحات والعبارات التي تصف الجمل، وطبيعته وحياته وشكله وعاداته، ومراحل نموه المختلفة، حتى بلغت عدد الكلمات التي تتعلق بالجمل وتصف شكله وخلقته، حوالي 10046 كلمة.
 
وتنوعت أسماء الإبل، حسب السن والعمر، مثل الحوار وهو ابن 6 شهور، والجذع من 4 إلى 5 سنوات، وأسماء حسب القوة واللون، مثل العرمس وهي الناقة القوية الشديدة، والكوم وهي الإبل ذات الأسنمة العظام الضخام، والمغاتير وهي البيض والصفر.
 
ومنها أسماء حسب العمل والمهمة التي تقوم بها الإبل، مثل الزمل وهو اسم عام للذكور من الإبل المسنة عادة، وهي التي تخصص للأحمال الثقيلة، وأسماء بحسب جماعات الإبل، مثل الذود وهي ما بين الثلاثة إلى العشرة، والجهام وهي ما زاد على المائة، وأسماء ذكور الإبل مثل بليهان وحردان.
 
"
وعرف العرب أنواعا من الإبل، مثل العراب، والفوالج والصرصرانيات، ومن أشهر فحول العرب "شاغر"، و"داعر" و"ذي العبلين" و"عصفور" النعمان
"
وكان لبعض النوق شهرة خاصة بين العرب، إما لمكانة صاحبها وإما لغزارة لبنها، وإما لمكانتها عند صاحبها، وإما لعظم حجمها، وعرف العرب أنواعا من الإبل، مثل العراب، والفوالج والصرصرانيات، ومن أشهر فحول العرب "شاغر"، و"داعر" و"ذي العبلين" و"عصفور"النعمان.
 
وشغلت الإبل حيزا كبيرا في الشعر العربي الجاهلي، حتى سمي بعض الشعراء الذين عرفوا بكثرة وصفهم للإبل باسم "الراعى" كالشاعر عبيد بن الحصين، والرشد بن الحارث بن عبد مناة، واتخذ العرب أسماء عن الإبل، مثل جمال، وجملة.
 
وارتبطت العديد من المواضع والأمكنة في بلاد العرب بالجمال، كما سمي أشد شهور الصيف حرا باسم ناجر، لأن الإبل تنجر فيه، وهو أن تعطش عطشا شديدا فتشرب ولا تروي.
 
وأورد الكاتب الأمثال العربية القديمة التي ذكرت الإبل، ومنها "ما هكذا يا سعد تورد الإبل"، أى ما هكذا يكون القيام بالأمر، و"هذا لا تبرك عليه الإبل" ويضرب للأمر الذي لا صبر عليه، وقالت العرب "أصول من جمل" أى أعض، وأغير من جمل.
 
في التاريخ والآثار


بفضل استخدام الجمل في المواصلات البرية، تمكن الإنسان من تأسيس تجارة متواصلة عبر الصحارى، كما استخدم عسكريا في الحروب ونقل المؤن ودينيا في الطقوس والقرابين.
 
ونقلت الجمال أنواعا مختلفة من السلع والبضائع، مثل البخور والأعشاب الطبية واللبان والصموغ والمر من جنوب شبه الجزيرة العربية وظفار، والقطن والمجوهرات والذهب والفضة والعاج والبهارات من الهند.
 
واشتهرت عدة طرق برية رئيسة كانت تسلكها القوافل التجارية، من أهمها طريق البخور المنطلق من مأرب إلى البتراء عبر الحجاز، وطريق الرضراض من مأرب إلى نجران، فشمال شرق شبه الجزيرة العربية، حيث مدينة الجرهاء المشهورة، كما نشأ في بلاد الشرق الأدنى عدد من مدن القوافل التي اعتمدت على التجارة والطرق التجارية البرية مثل مدينتي البتراء وتدمر.
 
وانتقل الباحث للحديث عن عدد من المواقع الآثرية، سواء في مصر القديمة، وبلاد الرافدين، وسوريا، والأردن، وفلسطين، والهضبة الإيرانية، ومواضع مختلفة بشبه الجزيرة العربية، في أبو ظبي، والشارقة، ورأس الخيمة، والبحرين، واليمن، والمملكة العربية السعودية، تؤكد استخدام الإبل، سواء في التجارة، أو في الحروب، وكذلك تقديمها قرابين، أو استخدام عظامها في التصنيع، تعود إلى فترات بعيدة إلى ما قبل الميلاد.

تقديس وتقدير


أشار الباحث إلى عدد من القبور في شبه الجزيرة العربية، تؤكد انتشار ما يعرف بطقس البلية، قبل الإسلام، حيث يعتقد بدفن الناقة أو الجمل بالقرب من صاحبها، حيث توضع الإبل بشكل مقيد وسحبت رقابها إلى الخلف، وأن القبور تضم عددا من المعثورات واللقي، سواء للاعتقاد بالبعث راكبا عليها، أو من أجل التباهي والمفاخرة.
 
ومن الملاحظ أن قبور الجمال غالبا تؤرخ بالقرن الثالث ق.م، إلى ما قبيل الإسلام، ولكن يخالف ذلك بعض الهياكل التي تعود زمنيا إلى الألف الأول ق.م.
 
بالإضافة لعادة دفن الجمال في قبور خاصة، وارتباطه لمعني ديني، ولما وصله هذا الحيوان لدي عرب الجاهلية من مكانة عالية، فقد برزت ظواهر أخرى لهذه المكانة من التقدير.
 
"
كانت الإبل تعد دية، وفي الوقت نفسه وفاء لنذر، وميدانا للتباري والتسابق بين المتنافرين، وكانت أيضا من أهم العطيات التي تمنح للعربي، وكذلك من أكثر ما ينحر من النعم للأضياف
"
منها اتخاذ بعض النوق والجمال للتبرك، وظاهرة "سابقة الحاج"، وهي الناقة إذا سبقت قوافل الحجاج في الجاهلية لم تمنع من كلأ ترتع فيه ولم تمنع من حوض تشرع فيه، كما حرّم العرب في الجاهلية ركوب الإبل المخصصة للآلهة أو استخدامها.
 
ورمزت الناقة في الأساطير الجاهلية لربة للحرب، وشبه العرب أيضا بعض النجوم بالإبل، حيث سموا سهيلا "الفحل" تشبيها له بفحل الإبل، وعرف سهيل أيضا باللطيم، وهو الصغير من الإبل الذي يفصل عند طلوع سهيل.
 
وكانت تعد الإبل دية، وفي الوقت نفسه وفاء لنذر، وكانت ميدانا للتباري والتسابق بين المتنافرين، وكانت أيضا من أهم العطيات التي تمنح للعربي، وكانت كذلك من أكثر ما ينحر من النعم للأضياف.
 
وقد انتهت الطقوس والسلوكيات التعبدية بمجيء الإسلام، بالإضافة إلى عادات أخرى نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يخص الإبل، كالنذور والنحر، والعقر، وقطع آذان الإبل وشق جلودها لتحريمها على الأهل والأقارب وإيقافها على المعبودات، إضافة لوضع القلادات على رقاب الجمال، لدرء العين والحسد.

المصدر: الجزيرة




الخميس، 29 ديسمبر 2011

الثورات العربية وسوسيولوجيا الإنترنت (نقلا عن فرانس 24)

نقلا عن فرانس 24

الثورات العربية وسوسيولوجيا الإنترنت

كانت الإنترنت في بداياتها عرضة للانتقاد من قبل المجتمع العربي الذي رأى فيها ثقافة دخيلة وتقنيات يحاول الغرب عبرها غزو العقل العربي وبسط نفوذه على الساحة الإعلامية والتكنولوجية وحتى الاجتماعية داخل الثقافة العربية.

وقد نالت تقنيات الإنترنت هذه حظها من تهميش الحكومات والأنظمة العربية التي لم تعرها الاهتمام الذي تستحق وتقاعست في إدراجها في البرامج التعليمية والبحوث العلمية العربية, لكن هذه الأخيرة برهنت وبنجاح عن فعاليتها في تغطية ما بات يعرف اليوم باسم "الربيع العربي" ونقل الأخبار من السرية إلى العلنية.

تنفرد الإنترنت بخاصية الازدواجية فيما يخص مصدر ومسار المعلومة, فبعد التلفاز الذي كان يضع المواطن العربي في مكان المستهلك والمتفرج البسيط. جاءت الإنترنت لتقلب موازين القوى وتفسح المجال أمام فضاءات أكثر فعالية وأمنا للتعبير عن الرأي, وتجلى هذا في الحراك الشعبي والسياسي الذي عم بلاد العرب حيث كان المواطن العربي في قلب الحدث واستطاع نقل معاناته وحيثيات الثورة عبر معلومة عادل وزنها أحيانا من حيث التأثير, وزن المادة الإعلامية العالية المستوى.

في وقت يقر فيه غالبية الباحثين أن الإنترنت لعبت دورا بارزا في تحرير الشعوب وتمكينها من تحدي الأنظمة الديكتاتورية يرفض الباحث الأمريكي افجني مورزوف هذه النظرية في كتابه تحت عنوان

The Net Delusion

  يقول الكاتب أن التكنولوجيا سلاح ذو حدين مضيفا أن الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي مكنت الأنظمة القمعية من تتبع نشاطات المعارضة ورصد حركاتها مستدلا بذالك على القمع التي تعرضت إليه المعارضة

الإيرانية على خلفية احتجاجات الانتخابات الرئاسية الإيرانية المتنازع على نتائجها في 2009

  ظاهرة التدويين

تتضارب الآراء حول ما كانت لتؤول إليه الثورات العربية بدون الإنترنت. لكن وبعد أن كان التاريخ شاهدا على عجز الحركات الماركسية والشيوعية وحركات الإخوان المسلمين في إجبار الأنظمة العربية على أخد مبادرة الإصلاح والتغيير, يشهد العالم العربي اليوم ولادة جيل جديد يؤمن بثورة التكنولوجيا وتكنولوجيا حكمت الثورة, جيل استطاع أن يتكيف مع الدينامية والتفاعلية اللذين تتمتع بهما الإنترنت ليزعزع بذلك كيان أنظمة ويسقط هياكل أخرى حكمت بلدانها وشعوبها طوال سنين, بقبضة من حديد.

{نقلا عن فرانس 24}